هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

20

الجزء ٦ · صفحة ١٦٥

وروى أن إخوته قالوا لمالك : استوثق منه فإنه عبد آبق ، سارق كذاب ، وقد بينا لكم عيوبه ، وحملوه إلى مصر ، وكان طريقهم على قبر أمه راحيل ، فلما وصله لم يتمالك أن رمى بنفسه وهو يقول : يا أماه ، يا راحيل ، حلى عنى عقدة الرداء ، وارفقى إلى ولدك يوسف ، وما لقى بعدك من الأذى ، أيا أماه لو رأيت ذلى ارحمينى يا أماه ، لو رأيتنى وقد نزعوا قميصى وشدونى ، وفى الجب ألقونى ، وفى حر وجهى لطمونى ، وبالحجارة رجمونى ولم يرحمونى ، وكما يباع العبيد باعونى ، وكما يحمل الأسير حملونى . فسمع مناديا من خلفه يقول : اصبر وما صبرك إلا بالله .

فقتفقده مالك على الناقة ، فصاح إن الغلام رجع فطلبوه ، فأقبل به رجل وقال : يا غلام أخبرنا من إليك أنك آبق سارق فلم نصدقهم حتى شاهدناك ، قال : والله ماأبقت ولكنكم مررتم على قبر أمى فلم أتمالك أن رميت نفسى إليها ، فلطمه وحمله على الناقة .

وفى رواية أنهم قيدوه حتى قدموا مصر ، قال مالك : ما نزلت منزلا ولا رحلت إلا استبانت فى بركته ، وكنت أسمع تسليم الملائكية عليه مساء وصباحا ، وأنظر إلى غمامة بيضاء تظله من حر الشمس ، وتسير من فوقه .

﴿ وكانُوا ﴾ أى مالك بن ذعر وأصحابه وهم السيارة ﴿ فيهِ ﴾ فى يوسف متعلق بزاهدين محذوفا خبرا لكان ، مدلولا عليه بقوله : ﴿ مِنَ الزَّاهِدينَ ﴾ فلكان خبران : أحدهما محذوف ، والآخر مذكور ، وذلك مبالغة فى زهدهم فيه لا متعلق بزاهدين المذكور ، لأنه اسم فاعل ، فأل فيه موصولة ومعمول الصلة لا يتقدم على الموصول ، وأجازه ابن الحاجب فى صلة أل كهذه إن كان ظرفا ، وأجازه الكوفيون على مرجوحية مطلقا فى أل وغيرها ، قيل : ويجوز أن يكون أل حرف تعريف فيتعلق بالزاهدين بلا إشكال ، وذلك مذهب لبعض السلف ، يرى أن أل لا تكون موصولة ، ومعنى زهدهم فيه هوانه عليهم ، لأن إخوة يوسف البائعين له أخبروهم أنه آبق سارق كذاب ، أو أظهروا الزهد فيه ليبيعوه لهم برخص ، ولم يبيعوه بعد شرائه حتى وصلوا مصر ، فليس زهدهم بيعه بثمن رخيص .

وقيل : المراد أنهم زهدوا فيه فباعوه بثمن رخيص هو نعلان أو أربعة ، وثوبان أبيضان ، وشعرون دينارا والشمتريه منهم بذلك بعد ما شروه من إخوته ، رجل من مصر كما ذكره الله تعالى بعد هذا ، وإنما رخصوه لما أخبرهم به إخوته فخافوا الخطر بما لهم ، وإن قلنا : إن معنى شروه باعوه للرجل المذكور من أهل مصر ، بعد ما التقطوه من الجب ، ولم يبعه لهم غخوته ، فزهدهم فيه لأنهم التقطوه ، والملتقط للشئ متهاون به لا يبالى بما راعه ، ولأنه يخاف أن يظهر مستحقه فينتزعه من يده ، فكان ببيعه الأول مساوم بأوكس ثمن .

وقيل : الواو فى كانوا لإخوة يوسف ، وزهدهم فيه أن لا غرض لهم فى ثمنه ، وإنما غرضهم تغييبه عن أبيه ، والمشهور أن السيارة باعوه للمصرى بأغلى ثمن ، وسيأتى اسمهم وهو زوج زليخا .

٢٬٦٦٥ / ٧٬٦٨٠