20
الجزء ٦ · صفحة ١٦٧فقال لهم الملك الذى صحبه على صورة بنى آدم قال لهم : من اشتهى رؤية يوسف فليأتنا بدينار عند فتح الباب ، وما دخل أحد إلا ومعه دينار ، فدخلوا ورمى كل واحد منهم دينارا ، فبلغت ستمائة دينار ، وما رآه أحد إلا ذهب عقله ، بحي لا يهتدى إلى الباب ، فأمر مالك عبديه أن يخرجوهم يدا ورجلا ، ولما خرجوا لم يهتد كل واحد منهم إلى داره من تحيره ، ولا يعرف أحدا من قرابته ، ولا ينطق بحرف ، ولا يسمع ما يقال له .
ولما كان اليوم الثانى : دفع كل من أراد رؤيته دينارين ، وهكذا كل يوم يزيدون ، حتى بلغ فى اليوم العاشر عشرة دنانير ، على كل من أراد رؤيته ، ثم فتح الباب وأجلس يوسف على سرير وزينه بأنواع الزينة ، وأمر المنادى : من أراد شراء الغلام فليحضر فما بقى أحد إلا وطمع فى شرائه ، فاجتمع القوم وعرضوا عليه ما يملكون ، فقال الملك الموكل بحظفه : ارفعوا طمعكم إن هذا الغلام عزيز لا يشتريه إلا عزيز .
قيل : لما نادى المنادى من يشترى هذا الغلام مات فى ازدحام لرؤيته خمسة وعشرون رجلا وامرأة ، فنادى : من يشترى هذا الغلام الصبيح المتكلم الصفيح ، يتكلم بكلام صحيح ، أديب قريب حبيب ، قال يوسف : لا تقل هذا ، ولكن قل : من يشترى هذا الغريب الكئيب الحزين ، قال : لا أقدر أن أقول هذا ، وليس فيك شئ مما ذكرته .
وكانوا لما رأوه فى الدار لم يقدروا على الخروج : وبلغ خبر النداء به قارعة بنت طالوت العملقية ، وكانت من بنات الملوك ، وكانت أكثر أهل مصر مالا ، وأعظمهم خطرا ، وكانت من ذرية شداد بن عاد ، فقالت لقهرمانها : ويحك لم يبق أحد بمصر إلا خرج نحو هذا الغلام العبرانى ، فإنى اليوم خارجة إليه بمالىن فأتى فهرمانها بالقافلة مزينة بأنواع الزينة ، أحمالها الدنانير والدراهم ، والديباج والجوهر والياقوت ، وغير ذلك ، فلما رأته تحيرت من جاله وقالت له : من أنت فقد جئت بمالى لأشتريك ، حتى نظرتك فحقرت نفسى ، لأنك تساوى جميع الدنيا .
قال : غنى من خلق ربى ، صورنى كما ترين . قالت : آمنت على يديك برب العالمين ، فتصدقت بمالها على الفقراء والمساكين ، وبنت بيتا على ساحل بحر القزم : وعبدت مولاها إلى أن ماتت .
قيل : كان السبب فى استرقاق يوسف أن إبراهيم الخليل عليه السلام ، أدخل مصر فى بعض الأزمنة ، فلما خرج منها شيعه زهادهم وعبادهم مشاة حفاة إلى أربع فراسخ تعظيما له ، ولم ينزل إبراهيم لهم ، فأوحى الله جل جلاله إليه : إنك لم تنزل لعبادى وهم يمشون معك حفاة .