20
الجزء ٦ · صفحة ١٦٦روى أنهم لما قربوا مدينة القدس ، رأى أميرهم فى منامه قائلا [ يقول : ] إن خير الناس أتاك ينبغى أن تستقبله غدا ، وتفعل ما يأمرك به ، فاتخذ ضيافة كبيرة فتلقاهم ، وسألهم أيكم الأمير ، وأشاروا إلى مالك فتحير فقال : هذا يجتاز بى كل عام مرتين ، وما أمرت باستقباله ، ودنا الملك من رجل هو الجنى الذى ولد مع يوسف ، وكان على صورة غزال ، ولكن تراه بصورة الرجل ، فقال له الجنى : من أنت؟ قال : أنا أمير المدينة ، فقال له : إن الذى أمرت باستقباله هو ذلك الغلام ، أشار إلى يوسف ، ولكن قل لأصحاب القافلة يدخلوا قبله ، ففعل ، ولما رآه تحير من حسنه وجماله ، وقال له : من أنت؟ قال أنا الذى أمرت باستقبالى ، فتحير فقال : من الذى أمرك أن لا تعبد صنما فتنجو من النار : فإن امتثلت أمره فلا تعبد صنمك ، قال : قد قبلت على أنك إذا دخلت على صنمى سجد لك فأصدقك ، قال : ربى يفعل ما يريد ، وهو على كل شئ قدير .
فدخل الدار فسجد له الصنم ، وتقطعا قطعا ، فأراد إطعام تلك الضيافة التى اتخذ ، فأتى قصعة فيها أرز بلبن فوشعها بين يدى يوسف ، فرفع منها لقمة وأعطاها لمن حوله ، وتناولوا كلهم منها وشبعوا ، والأمير ينظر ، فقال : يا قوم هذا سيدكم ، قالوا : لا إنما هوعبد ، قال : فمن السيد؟ فأشاروا إلى مالك فقال : معاذ الله هذا سيده ، بل هو غلام ، قال الملك : العبد خير منى .
وكان يوسف ومن معه لما دخلوا الدرب ، رآهم الأمير ورأى خيلا كثيرة فقال ليوسف : لمن هذه الخيل؟ ولمن هذا الجند؟ فإن دارى لا تسعهم ، ولا عندى مايكفيهم؟ فتبسهم فقال : هم جند الله تعالى ، طعامهم التهليل ، وشرابهم التسبيح ، قال : ومن هم؟ قال : هم الملائكة ، أرسلهم الله تعالى ليشيعونى ويحفظونى ، فتحير من شأنه .
ولما أكل القوم ، عزم على أخذ يوسف منهمن فتركه حتى رحلوا ووصلوا نحو عسقلان ، فركب فى اثنى عشر ألفا ، فلما وقعت أصراهم على يوسف وقعوا كلهم من ظهور الخيل ، وغشى عليهم ثلاثة أيام من حلاوة النظر إليه ، ولما دخل يوسف مدينة العريش يفكر فى نفسه ، أن الله جل وعلا لم يخلق خلقا أحسن منى ، فإذا دخلت هذه المدينة تحيروا ، فسمع مناديا : يا يوسف توهمت أن لا أحسن منك ، وفى الكونين من هو أحسن منك .
ولما دخل مصر تاب من خاطره ، فنودى : يا يوسف ارفع رأسك ، فقد تغير الأمر بتوبتك ، ثم نادى منادٍ : يا أهل مصر قد جاءكم شاب لا يلقاه أحد إلا سعد ، ولا ينظر إليه أحد إلا أفلح ، فدخلهم الوسواس ، وأحاطوا بدار مالك ، وماذاقوا طعاما ، ولا شرابا شوقا إليه ، وتحركت الأشجار لما دخل مصر ، وترنمت الأطيار ، فطلع مالك على السطح فقال : يا قوم ما تريدون؟ قالوا : نريد الذى أنت به متحير ، وفى أمره متفكر ، فتحير فى نفسه وقال : واعجباه ، وأى عجب ترون فيه ما رى فيه زيادة على سائر الصور .