36
الجزء ٦ · صفحة ٢٠٢روى أن الساقى قال : رأيت كأنى فى بستان فيه أصل شجرة عنب فيها ثلاثة قضبان فى كل قضيب عنقود ، وكان كأس الملك فى يدى ، فجنيت العناقيد فعصرتهن فى الكأسن ، فسقيت الملك فشرب . وفى رواية رأيت كأن الملك دعانى وردنى لقصره ، فبينما أنا أدور فى القصر إذا بثلاثة عناقيد عنب فعصرتها ، فجعلتها فى كأس لأسقى الملك ، وفى رواية أنه استيقظ فرحا وقالك إنى رأيت فى منامى كأن بين يدى ثلاث طسوس من ذهب فى طبق ، فى كل طست ثلاثة أصول من الكرم ، وعلى كل أصل ثلاثة عناقيد من العنب ، فأخذت العناقيد وعصرتها خمرا ، وسيقت الملك .
﴿ وقال ﴾ ليوسف أيضا ﴿ الآخرُ ﴾ وهو صاحب طعام الملك ﴿ إنِيِّ رانى ﴾ فى الياءين ما مر رأحْملُ فَوقَ رأسى خبزاً تأكلُ الطَّيْر منْهُ } نشها بأفواهها ، وهكذا أكل الطير فى الكشاف : رأيت أن فوق رأسى ثلاث سلال فيها ألوان أطعمة ، وإذا سباع الطير تنهش منها ا ه .
ولم يذكر الله فى الآية إلا الخبز ، ولكن لم يذكر بصيغة حصر ، فإن صح أن مع الخبز سواه لم يناف الآية ، وفى رواية : رأيت كأن المك أخرجنى ودفع إلىَّ طيفورة عليها خبز فوضعتها فوق رأسى ، والطير تأتى وتأكل منها .
وفى رواية كأنى خرجت من مطبخة الملك ، وعلى رأسى ثلاث سلال من خبز ، فأكل الطير من أعلاها ، وفى رواية كأن فوق رأسى ثلاثة تنانير من حديد ، مضرمة بنار ، فخبزت خبزا كثيرا ، وملأت منه ثلاث سلات وحملتهن على رأسى ، وكانت السلة العليا مكشوفة ، والطير تسقط عليها من الهوى فتأكل منها .
أما الساقى فرأى تحقيقا ، وأما الخباز فلم ير شيئا ، ولكنه ابتدع الرؤيا المذكورة ، وقيل كلاهما رأيا تحقيقا ، وعن ابن سمعود ما رأى أحدهما شيئا ، ولكنهما تحالما أى ادعيا رؤية المنام ، وقال : تعال نجربه ، وذلك أنه أخبرهم أنى عالم بتأويل الرؤيا . وروى أنهما رآهما مهمومَيْن فسألهما فذكرا أنهما غلامان الملك حبسهما ، وأنهما رأيا رؤيا .
﴿ نبِّئْنا ﴾ أخبرنا ﴿ بتَأويلِهِ ﴾ أى بتعبير ما رأينا إن كنت تعرفه ﴿ إنَّا نَراكَ من المحْسِينينَ ﴾ إلى أهل السجن بالإقامة على مريضهم ، ومداواة الجريح ، والتوسيع لمن ضيق عليه فى المكان ، ومواساة من احتاج من وظيفته ، وبالجمع له ، وتصبير المحزون .
وكان فى السجن ناس أنقطع رجاؤهم ، وطال حزنهم ، فجعل يقول : أبشروا واصبروا تؤجروا ، إن لهذا لأجراً ، فقالوا : بارك الله عليك ، ما أحسن وجهك ، وأحسن خلقك ، لقد بورك لنا فى جوارك فمن أنت يا فتى؟ قال : أنا يوسف ، ابن صفى الله يعقوب ، ابن ذبيح الله إسحاق ، ابن خليل الله إبراهيم ، قال الفتيان : أحسن إلينا بتأويل ما رأينا ، بماتفرج به الغمة .