هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

42

الجزء ٦ · صفحة ٢١٢

فقال له : من أين أنت أيها الرسول ، فإنى أشم منك ريحا طيبا؟ قال : أنا رسول غلام غريب من شأنه كذا وكذا ، فقال له : هل رأيت وجهه؟ قال : لا ن ولكن ناجانى من وراء حجاب ، فبكى يعقوب عليه السلام وزينة وانتحاب ، فقال يعقوب : هل ذكر لك اسمه؟ قال : لا ، قال : اسأل حاجتك يا أعرابى؟ قال : مالى حاجة إلى الدنيا ، فإن ذلك الغريب أغنانى ، فقال : إذن هون الله علك سكرات الموت .

وفى رواية أن ذلك قبل أن يسجن ، وأن زليخا تلبسه الديباج وتوقفه على رأسها وتأمره بما تريد ، فإذا فرغ منخدمتها خرج يتحسن الأخبار فبينما هو يمشى يوما فى أزقة مصر إذا بأعرابى راكب على قعود يقول :

حدتُ ربّشى وهو الحميدُ … بالحمد يُبْدى وبه يعبد … ليسَ له ندٌّ ولا عنيدٌ … يفْعل فى الأشياء ما يريد … فلما سمعه يوسف علمه غريبا فقال : يا أعرابى ما سمعت بهذا الكلام فى هذه البلاد ، كأنك لست منها؟ قال : نعم ، قال : فمن أين أنت؟ قال : من مراعى آل يعقوب من كنعان ، من وادى الأردن ، فلما سمع يوسف باسم يعقوب صاح وصعق ، فرق له الأعرابى ونزل عن قعوده ، ومسح العرق عن وجهه ورأسه ، فى حجره ، فقال : مالك يا غلام؟ فقال ذكرت بلادا أودعتنى ، وإلى الغربة رمتنى ، فهل تعرف الشيخ يعقوب؟ قال : ومن لا يعرفه ، وهو نبى الله ، ابن ذبيح الله ، ابن خليل الله ، به نتوسل إلى ربنان وبحرمته نستسقى إذا قحطنا .

قال : فأسلك بالله إلا أخبرتنى كيف تركته؟ قال : تركته وقد انحنى صلبه ، وتقوس ظهره ، وتضعضع ركنه ، وكابده الشيب قبل أوانه ، وترك أهله ، وهجر أولاده ، وبنى على تل كنعان بيتا ييسمى بيت الأحزان ، يبكى فيه وينوح على قرة عين له يسمى يوسف ، اختلس من بين يديه .

فزاد يوسف بكاء وقال : ليت أمى لم تلدنى ، وليت السباع أكلت لحمى ولم يصب حبيبى ذلك من أجلى ، فبكى الأعرابى معه ، فقال يوسف : إنى محملك رسالة البركة والدعوة والأمانة ، أما الأمانة فتؤديها غلى يعقوب دون غيره ، وأما البركة فتصيبك بركة آل يعقوب ، وأما الدعوة فأدعو الله أن يكثر مالك وولدك ، ويطيل عمرك

قال : فاذكرها إذن ، فقال : إذا وصلت كنعان وقد سألت الله أن يبلغك سالما فأت باب يعقوب إذا ذهب هون من الليل ، وجاء وقت قيام الأنبياء لرب الأرض والسماء ، فقف واستمع صوت يعقوب ومناجاته وتسبيحه ودعاءه وبكاءه ، فناد بأعلى صوتك وقل : السلام عليك أيها المكظوم ، يقرأ عليك السلام المهموم المغموم ، الذى بيع بيع العبيد ، وصير حيرانا طريدا ، ويقول لك : إنى حرمت على نفسى النوم على فراش وطئ والتوسد حتى ألقاك ، فكن أنت كذلك فقال الأعرابى ، سبحان الله ، من يطيق تأدية هذه الرسالة ، قال : من يريد الأجرة والبركة .

٢٬٧١٢ / ٧٬٦٨٠