42
الجزء ٦ · صفحة ٢١٣فركب الأعرابى قعوده ، ووصل كنعان ليلا ، ففرح ألهله وحط رحله ، فقالوا له : انزل ، فقال : لا والله لا رأيت أحدا منكم ، ولا عملت عملا حتى أؤدى رسالة المغموم إلى المكظوم ، فأتى البيت ينتظر الوقت ، فلما سمع حركته وبكاءه ، رفع صوته ونادى : السلام عليك أيها المكظوم ، يقرأ عليك السلام المهموم المغموم .
لوما سمعت زينة ذلك قالت : مه يا هذا ، فإنى أخشى أن ينفطر قلبه ، فإن كنت حملت رسالة فأدها إلىَّ أؤدها إليه فى وقت غير هذا ، قال : والله لا أؤديها إلا لمن أرسلت إليه ، وكانت أختا ليوسف من أبيه ، وقد بنت بحذاء بيت يعقوب بيتا ، وحلفت لا تضحك حتى تراه يضحكن فتقدمت إلى الباب ونادت : السلام عليك يا أبت ، فقال : وعليك السلام يا بنيتى ما الذى جاء بك فى هذا الوقت؟ قالت : البشارة ، قال : أما الملا فلا حاجة لى إليه ، وأما الأولاد فلا سبيل لى غليهم ولا حاجة ، قالت : بل البسارة بقرة عينك ، وحبيب قلبك ، قال : يوسف؟ قالت : ينعم ، فقام يخرج يسقط ويقوم يبادر الباب ، فوصل الباب وصعق كأنه ميت ، ولما أفاق أدى الأعرابى الرسالة على نحو ما تقدم .
فقال له يعقوب : صفه لى يا أعرابى ، فوصفه كما هو ، ولم يذكر الخال الذى على خده ، وقال : ولِمَ لم تذكره؟ قال : قال لى : إن سألك عنه فقل محنه كثرة البكاء ، فقال : وأنا أيضا ذهبت عيناى لكثرة البكاء عليه ، ثم قال : يا أرابى لا أجد ما أكافئك بهن فهل أبصرته بعينك؟ قال : نعم ، قال : فقدمهما إلى أقبلهما ، وقبلهما وقال : لا تأكل النار عينا رأته ، سل ما شئت من أمر الدنيا والآخرة أجمعهما غليك ، قال : يا نبى الله سل الله أن يهين على سكرات الموت ، وأن يجعلنى رفيقك فى الجنة ، وأن يكثر مالى وولدى ، فإن بنى عمرى يعايروننى بالفقر .
فرفع يعقوب يديه إلى السماء وقال : اللهم إن كنت رحمت لى عبرة ، وأجبت لى دعوة ، فاجعل هذا الأعرابى رفيقة فى الجنة ، وهوِّن عليه سكرات الموت ، وكثر ماله وولده .
ولما تم ما قضى ا لله أن يلبث يوسف فى السجن سجدت وقال فى سجوده إلهى خلصنى من السجن ، فكان يدعو والملك يرى ما ذكره الله D من أمر البقرات والسنبلات ، وكانت رؤيا سبب لخروج يوسف من السجن .
وروى أن الله جل جلاله أرسل جبريل إلى يوسف على هيئة جميلة ، ووقف على باب بيته وسلم عليه ، فرد يوسف السلام ، وجعل ينظر إليه وتعجب من حسنه ، وأنكر أن يكون مثله فى السجن ، فقال : هل تعرفنى أيها الصديق؟ قال : يوسف صوت شيخ ، وريح طيب لا يشبه ريح الخاطئين فمن أنت يرحمك الله؟ قال : أنا أخوك جبريل ، قال : كيف أنت يا أطيب الطيبين ، ورأس المقربين؟ فقال له : أبشر فقد جعلك الله رأس لاصديقين ، وعك مع آبائك المخلصين ، وأوجب لك جزاء الصابرين ، لأنه لم يغيرك ما جرى عليك عن أمر الله ولم تطأ فراش سيدك فى طاعة ربك ، وأن الله سبحانه يقرئك السلام ويقول : كيف حالك وهو أعلم بحالك منك؟ فاقل : لربى الحمد على كل حال ، وهل لك علم بأبى؟ قال : وهبه الله تعالى الصبر الجميل ، وقد عدل حزنه حزن مائة ثكلى ، وصبره ما استجب به أجر مائة شهيد ، لأن الله جل جلاله كتم أمرك عليه ، ولم يدر أحى فيرجوك ، أو ميت فيتحسبك ، وذلك ليعظم أجره ، وهذا هو الوقت الذى يظهرك فيه الله ، ويجعلك لك اليد العليا على إخوتك وغيرهم ، ويصدق رؤياك .