7
الجزء ٣ · صفحة ٤٤ثم أن المراد ما أنهم يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة تارة ، وابتغاء تأويله فهذا يناسب المعاند .
والتأويل : تفعيل من آل يؤول ، أولم بمعنى : رجع . فالتأويل تصير اللفظ إلى معنى بالتفسير ، مع الصرف عن ظاهرها ، وافق الحق أو لم يوافق .
قال سليمان بن يسار أن رجلا يقال له صبيغ ، قدم المدينة ، فجعل يسأل عن متشابه القرآن ، فأرسل إليه عمر وقد عدله عراجين النخل ، فقال : من أنت؟ . قال : أنا عبد الله صبيغ . فأخذ عمر عرجوناً من تلك العارجين فضربه حتى أدمى رأسه . وفى رواية : فضربه بالجريدة حتى ترك ظهره دبره . ثم تركه حتى برئ ، ثم عاد ثم تركه حتى برئ ، فدعا به ليعود ، فقال : إن كنت تريد قتلى فاقتلني قتلاً جميلا ، فأذن له إلى أرضه ، وكتب إلى أبى موسى الأشعري إلا يجالسه أحد من المسلمين .
وأما من علم المحكم ثم طلب المتشابه ، حرصا على العلم فلا باس ، وكتاب الله تعالى . فإن الله تعالى إنما ذم من كان غرضه تتبع المتشابهات المفسدة يقصدها فيكون كالمشركين الذين يقترحون على رسلهم آيات غير ما جاءوا به تعنتاً وعناداً ، وظنا أنهم يؤمنون إذا جاء رسلهم بما اقترحوا .
﴿ وَمَا يَعْلَمَ تُأويِلَهُ إلاّ اللهُ ﴾ : أى ما يعلم تأويله الذي يجب أن يحمل عليه إلا الله .
﴿ والرّاسِخُونَ ﴾ : أى الثابتون .
﴿ فى العلِمْ يَقُولُونَ آمنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنّا ﴾ : الراسخون مبتدأ ، ويقولون خبر ، أخرج ابن ابى حاتم عن أبي الشعثاء جابر ابن زيد - C - وأبى نهيك ، أنهما قالا : إنكم تصلون هذه الآية ، وهى معطوفة بمعنى أنه ليس الراسخون معطوفاً على لفظ الجلالة ، وما ذكر عن جابر هوالمشهور ، وهو مذهب جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، والأشعرية وهو أصح الرويات عن ابن عباس . أخرج عبد الرزاق والحاكم أن ابن عباس كان يقول : وما يعلم تأويله إلا الله ، ويقول الراسخون في العلم آمنا به ، وهذا تفسير يكون الواو للاستئناف . وابن عباس ترجمان القرآن ، فيقدم تفسيره وفيه قال A : « اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل » فالوقف على لفظ الجلالة ، ويدل بذلك أن الآية صريحة في ذم منفى المشابه ، ووصفهم بالزيغ ، وابتغاء الفتنة ، وفيى مدح الذين فوضوا العلم إلى العلماء ، وسلموا إليه ، كما مدح اله من آمن بالغيب .
وكذلك حكى الفراء أن أبى بن كعب يقرأ ويقول : الراسخون في العلم آمنا به . وكذلك قال الأعمش إن ابن مسعود يقرأ : : ﴿ وإن تأويِله إلا عند الله والراسخون فى العلم آمنّا به ﴾ وعن عائشة رضى الله عنها : تلا رسول الله A ، هذه الآية ﴿ هُوَ الَّذىِ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَاب ﴾ إلى قوله ﴿ أُوْلُواْ الأَلبَابِ ﴾ فقال : إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه ، فأولئك الذين سمى الله فاحذرهم ، والمراد ذم الداخلين في المتشابه .