37
الجزء ٣ · صفحة ٩٢و ﴿ أنى ﴾ : ظرف بمعنى من أين؟ أو من أى جهة؟ بنى لتضمنه معنى من الابتدائية وتتضمنه معنى همزة الاستفهام وللجمود على حال واحد ، وهو متعلق بمحذوف خبر ، وهذا : مبتدأ ، ولك : متعلق بما تعلق به أنى ، أو معنى كيف خبر لهذا ، ولك : حال من المبتدأ على الجواز ولا يسمى أنه اسم إشارة ، أو لك : خبر لها ، وأنى : حال .
﴿ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ﴾ : وذلك بعد ما شبت ، وقيل : ذلك كله من حين اخذها ، وأنها تأكل من حينئذ من رزق الجنة ، وأن كلامها نم ذلك الوقت كتكلم عيسى فى الصغر ، وكانتتلكم فتكلم لها ، أو تكلم لها تعجباً ، وتفكهاً بالصبى ، ولم يدر أنها تجيبه فأجابته .
﴿ إنًّ اللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَاب ﴾ : هذا من جملة كلامها ويحتمل أن يكون من الله تعالى مستأنفاًن واختاره الطبرىن ومعنى بغير حساب بغير تقدير لكثرته ، فهو كناية عن الكثرةن والله لا يخفى عليه شىء ، وإنما يخفى الحصر على المخلوق ، أو معناه تفضل بغير محاسبة ، ومن كلام فيه .
والآية دليل على جواز كرامات الأولياء إذ رزقها اله من الجنة ، أو رزقاً لا يوجد فى ذلك الوقت ، قيل : وهو أيضاً معجزة لزكريا عليه السلام واعترض بأنه لم يعلم بدليل قوله ﴿ أَنَّى لَكِ هَذَا ﴾ أو بأنه لم يعلم بأخبارها إياه أن ذلك خرق العادة ، سال خرقها بأن تلد له امرأته ولداً ، وهما شيخان عاقران ، وأجيب بأنه عالم أن ذلك الرزق من الله ، وأنه سالهم تعجباً ، واختبارً لها ، وتقريراً . ألا ترى أنه يكرر لها القول ، وتذكر بذلك أن يطلب الولد ودليل النبوة ، لا يوجد مع غير النبى ، بل فى النبى ، لكنها لما كانت صغيرة ، والمرأة لا تصلح للنبوة وكانت في حجره ، صح لها ذلك معجزة . وروى أن فاطمة رضى الله عنهان أهدت لرسول الله A رغيفين وبضعة لحم ، وقد جاع فىزمان القحط أثرته بتلك الهدية ، فرجع بها غلى فاطمة رضى الله عنها ، وقال : « هلمى يا بنيتى » فكشفت عن الطبق ، فإذا هو مملوء خبزاً ولحماً ، فبهتت وعلمت أنها نزلت من عند الله ، فقال لها A : « أنى لك هذا؟ » فقالت : هو من عند الله ، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ، فقال A : « الحمد لله الذى جعلك شبيهة بسيدة بنى إسرائيل » ثم جمع رسول الله A على بن أبى طالب ، والحسن والحسين ، وجمع أهل بيته عليه ، حتى شبعوا وبقى الطعام كما هو ، فأوسعت فاطمة على جيرانهان وذكر محمد بن إسحاق : أصابت بنى إسرائيل فاقة حتى ضعف زكريا ، عن القيام بمريم ، فخرج عليهم فقال : يا بنى إسرائيل تعلمون والله لقد كبرت سنا ، وضعفت عن حمل مريم بنت عمران ، فأيكم يكفلها بعدى؟ فقالوا : والله لقد جهدنا وأصابنا من السفه ما ترى .