67
الجزء ٥ · صفحة ٤١٦ويدل على عدم تحريم الأسر ، وأن الآية عتاب أن الملائكة تعين المؤمنين على أسر الكفار وتأسر ، بل قيل : كان مشروعا بشرط الإثخان ، وقد حصل الإثخان فى ظنهم بمن قتلوا وجرحوا ، ويرده أن الأسر يوم بدر كان فى وسط القتال قبل الإثخان وبعده ، لا بعده فقط ، وأما بكاؤه هو وأبو بكر لنزول الآية فإشفاق من فعل الصحابة إذا اشتغلوا بالأسر وتركوا القتل ، أو من فعلهم ما حدث تحريمه بعد الفعل ، أو من ميلهم للفداء ، أو موافقة حكمه بالفداء تحريم الفداء بعد الحكم ، رغبة فى أن لو وفقوا ما لم يحدث تحريمه و تضعيفه .
ولم يدخل A فى الخطاب بإرادة عرض الدنيا ولا فى غيبتها ، وإن دخل فالمراد بيان أن الراجح أن يختار القتل نفعا للإسلام حاضرا لا العرض للمسلمين ، لأنه ولو كان نفعا للإسلام أيضا لكنه آجل وما أراد العرض لنفسه قط ، وذكر بعضهم أنه دخل فى الآية من هة المعاتبة فقط ، حيث أسروا ولم ينههم من عريشه ، وقد أنكر سعد بن معاذ ، ولكنه A أغفله بعد الأمر وظهور النصر ، ولذلك بكى هو وأبو بكر خوفا من نزول العذاب لكمال خوفهم ، واختار بعضهم أن العتب لأصحاب النبى كما يظهر مما مر ، كنه قيل : لا يستقيم أن تأخذوا الأسارى للنبى .
﴿ واللهُ يُريدُ الآخرةَ ﴾ أى يريد لكم ثوابها ، أو سبب نيلكم ثوابها من إعزاز دينه بالإثخان ، وقرأ ابن جماز بجر الآخرة على حذف المضاف ، وإبقاء المضاف إليه مجرورا ، فقدره ابن مالك ، والله يريد عرض الآخرة من جنس المضاف المذكور ليشعر به ، وليس فى القياس كقول أبى داود حارثة بن الحجاج ، أو حارثة بن عمران الأيادى ، أو عدى بن زائدة :
أكل امرئ تحسبين امرأ … ونار توقد بالليل نارا
أى وكل نار توقد بالليل نارا ، لأن الشرط فى الغالب أن يكون المضاف المحذوف معطوفا على مضاف بمعناه ، والمضاف فى الآية لم يعطف . بل عطفت الجملة ، فقراءة ابن جماز من غير الغالب لذلك ، وإنما سمى ابن مالك خير الآخرة عرضا تجوز للمناسبة ، أو لأنه عارض بمعنى حادث ، ولو كان يدوم ، وللمناسبة ومن قدره هكذا ، والله يريد عمل الآخرة كابن هشام ، أو ثواب الآخرة ونحو ذلك ، كان عنده من غير الغالب لما ذكر ، ولعدم مماثلة لفظ المحذوف للمذكور .
﴿ واللهُ عَزيزٌ ﴾ فأولياؤه تكون غالبة لأعدائه ﴿ حَكيمٌ ﴾ فى أفعاله وأقواله ، فمصلحتكم فى الإثخان لا فى الفداء ، قال ابن مسعود : جئ رسول الله A يوم بدر بسبعين أسيرا فيهم : العباس ، وعقيل بن أبى طالب ، فاستشار فيهم أصحابه ، فقال أبو بكر رضى الله عنه : يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم لعل الله يتوب عليهم ويهديهم إلى الإسلام ، وخذ منهم فدية يتقوى بها أصحابك على الكفار .