111
الجزء ٦ · صفحة ١٠٣﴿ إنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ المؤمِنينَ أنفسَهُم وأمْوالَهم بأنَّ لَهم الجنَّة ﴾ ترغيب فى الجهاد والإنفاق فيه ، وتمثيل لإثابة الله إياهم الجنة على بذل أموالهم وأنفسهم فى سبيله ، لا حقيقة شراء ، لأنهم خلق له وملك ، وأمواله رزق منه وملك له ، وبيَّن ما لأجله الشراء بقوله :
﴿ يُقاتِلونَ ﴾ بأموالهم وأنفسهم ﴿ فى سَبيلِ اللهِ فيَقْتلونَ ﴾ أعداء الله ﴿ ويُقْتلُون ﴾ وقرأ حمزة والكسائى بتقديم المبنى للمفعول ، وكذا قرأ النخعى ، وابن وثاب ، وطلحة ، والأعمش ، ومعلوم أن الواو لا تفيد الترتيب ، فلا يقال على هذه القراءة : كيف يوصفون بأنهم قاتلون بعد وصفهم بأنهم مقتولون؟ ومعلوم أنه قد يسند إلى البعض ما للكل ، فليسوا كلهم قاتلين ، ولا كلهم مقتولين .
وقيل : وجه الشراء أنه وهب لهم أنفسهم وأموالهم ثم اشتراها منهم ، وقال ابن عيينة : اشترى منهم أنفسهم أن لا يعلموها إلا فى طاعة الله ، وأموالهم أن لا ينفقوها إلا فى سبيله ، فالآية تعم الطاعات كلها ، فقوله : يقاتلون إلخ بيان لبعضها ، وهو أعظم ما روى أن الطاعات فى الجهاد كقطرة فى البحر ، وفى الحديث : « إن فوق كل بر برا حتى يبذل العبد دمه ، فإذا فعل فلا بر فوق ذلك » والأول قول الجمهور ، ولا ثمن أغلى من ذلك ، اشترى بعضا من الدنيا بالجنة .
قال بعض العلماء : ما من مسلم إلا ولله فى عنقه هذه البيعة ، وفى بها أو لم يوف ، وجملة يقاتلون مستأنفة ، أو حال ، وقيل : حال فى تفسير الجمهور ، ومستأنفة فى تفسير ابن عيينة ، ويجوز أن يكون يقاتلون بمعنى الأمر ، فيكون مستأنفا .
﴿ وعْداً عَليه حَقًّا ﴾ مصدران لعالمين محذوفين من لفظيهما ، مؤكدان لمضمون قوله : ﴿ إن الله اشترى ﴾ فإن شراءه بالجنة وعد بها ، وحق أكد الله ذلك بأن ، وأكده بأن المشترى هو الله المقدس عن الكذب والحيل ، وبالشراء بدلا من الإثابة ، فإن ما به الشراء أحق بالإنجاز ، وبقوله : ﴿ وعداً ﴾ وبقوله : ﴿ عليه ﴾ وهو نعت لوعد ، أو متعلق بحق ، أو حال منه ، وبقوله : ﴿ حقًّا ﴾ ولو جعل نعت لوعد أو بقوله :
﴿ فى التَّوراة والإنْجيلِ والقُرآنِ ﴾ تعلق بمحذوف ، وذلك المحذوف نعت لوعداً أو حقا ، أو حال أى مذكورا فى الكتب الثلاثة ، وهذا جار مجرى إشهاد وكتب الله وملائكته ورسله ، ويجوز أن يرد أن تلك الأمم أمرت بالجهاد ، وفيه أيضا تأكيد ، وأكد أيضا بقوله :
﴿ ومَنْ أوفَى بعَهْدِه مِنَ اللهِ ﴾ استفهام إنكارى أى لا أحد أوفى منه ، فوعده منجز لا محالة ، وحق قطعا ، فإن إخلاف الميعاد أقبح لا يقدم عليه المخلوق الكريم ، مع جواز الحاجة والافتقار عليه ، فكيف بالغنى الذى لا يجوز عليه قبح قط؟ وقد روى أن أعرابيا مر برسول الله A وهو يقرأ الآية ، فقال الأعرابى : كلام من هذا؟ قال : « كلام الله » قال : بيع والله مربح ، لا نقيله ولا نستقيله ، فخرج إلى الغزو واستشهد بقوله :
﴿ فاسْتبشِرُوا ﴾ أى افرحوا التفات إلى الخطاب ﴿ ببَيْعكُم ﴾ لأنفسكم وأموالكم بالجنة ﴿ الَّذِى بايعْتُم ﴾ مفاعلة من البيع ، وذلك أنهم باعوا من الله ، وباع منهم الله ﴿ بِه ﴾ فإنه شىء عظيم أحق بالفرح ، والاستبشار استفعال لغير الطلب ، بل لموافقة المجرد ، كأنه قيل : فأبشروا ، بل هو للتأكيد بالزيادة التى فيه ، فكأنه قيل : افرحوا به غاية الفرح ، وهذا تأكيد آخر ، فإن الأمر من مجرد الفرح يستلزم أعظم المفروح به ، فكيف الأمر بغاية الفرح وأكد أيضا بقوله :
﴿ وذَلكَ ﴾ البيع ﴿ هُو الفَوزُ ﴾ وبقوله : ﴿ العَظيمُ ﴾ قال أبو الفضل بن الجوهرى على منبر بمصر : ناهيك من صفقة البائع فيها رب العلى ، والثمن جنة المأوى ، والواسطة محمد المصطفى .