120
الجزء ٦ · صفحة ١١٨﴿ ما كانَ لأهْلِ المدِينَةِ ومَنْ حَوْلهم مِنَ الأعْرابِ ﴾ كمزينة ، وجهينة ، وأسلم ، وغفار وغيرهم ﴿ أنْ يتخلَّفوا عَنْ رسُول اللهِ ﴾ إذا غزا بنفسه ولو لم يأمرهم ﴿ ولا يرْغَبوا ﴾ عطف على يتخلفوا ، ولا نافية أو استئناف ولا ناهية ﴿ بأنفُسِهم عَنْ نفْسِه ﴾ بأن يصونوها عما لم يصنها من شدائد ، بل يجب عليهم أن يكابدوا معه الشدائد ، ولا يقيموا لأنفسهم وزنا إذ كابدها بأعز نفس ، والنفى فى الموضعين بمعنى النهى ، وهو أبلغ من صريح النهى مع تقبيح التخلف والتوبيخ عليه ، وذلك خاص بالنبى .
وقيل : إذا قل الإسلام مطلقا ، وقيل : حق لكل إمام إذا عزا بنفسه لا يتخلف عنه أحد ، وقيل : ما كان لهم التخلف عنه إذا دعاهم للخروج ، وهكذا سائر الأئمة ، وذلك فى الغزو للإدخال فى الإسلام ، وإما إن نزل العدو بجهة فمتعين على كل أحد القيام بذبِّة ، وقيل : ذلك إخبار بأن ما صدر عنهم من التخلف عن تبوك قبيح غير جائز ، وهو أيضا متضمن للنهى عن مثله .
﴿ ذَلكَ ﴾ النهى عن التخلف ، أو وجوب المتابعة بأنهم أى لأنهم ﴿ لا يُصيبُهم ظَمأ ﴾ أى عطش ، وقرأ عبيد بن عمير ظماء بالمد ﴿ ولا نَصبٌ ﴾ تعب ﴿ ولا مخْمصَةٌ ﴾ جوع ، فهو مصدر ميمى ، والخموص الضمور ، وإذا جاع الإنسان كان بطنه ضامرا ﴿ فى سَبيلِ اللهِ ﴾ طريق الجهاد .
﴿ ولا يَطئونَ ﴾ يضعون قدما بأنفسهم أو بمراكيبهم ﴿ مَوْطِئا ﴾ موضع وطء أو وطئا فهو اسم مكان أو مصدر ﴿ يَغيظُ الكفَّارَ ﴾ لكونه فى أرضهم ، والجملة صفة موطئا ، ويجوز تفسير الوطء بالإهلاك ، إذ هو مما قد يترتب على الوطء بالأقدام .
﴿ ولا ينَالُون مِنْ عدوٍّ نَيلاً ﴾ مصدر فهو مفعول مطلق ، أو بمعنى اسم مفعول به من نال ينال ، لا من نال ينول نولا ، وأبدلت الواو ياء لخفتها هنا كما زعم بعض ، كقتل وأسر وغنيمة وهزيمة ، وما يوهنهم أو يغمهم .
﴿ إلا كُتِبَ لَهم به ﴾ أى بكل واحد مما فعلوا من ذلك ﴿ عَملٌ صَالحٌ ﴾ أى ثواب عمل صالح فحذف المضاف ، أى ثواب عمل صالح من مطلق الأعمال الصالحة ، والخاص غير العام ، فساغ الكلام ، ولو كان الواحد من ذلك هو نفس عمل صالح ، هذا ما يظهر لى فى بيان الكلام ، وظهر لى وجه آخر وهو أن يكون قوله به من التجريد البديعى وهو أبلغ ، كأنه تجرد لهم بهذا العمل الصالح الذى هو واحد مما ذكر إصابة الظمأ ، أو ما بعدها عمل صالح آخر لقوته ، فالمراد من كتابته الجزاء عليه ، كأنه قيل : كتب لهم ليجازوا عليه .
روى أن ذنوب المجاهد جسر على باب بيته ، إذا خرج قطعها ، فهو كيوم ولد له بكل خطوة أو عمل سبعمائة حسنة ، وإن مات ولو بغير قتال فى وجهته فشهيد ، وفراغ زاده خير خمسين حجة ، ولا يجتمع غبار فى سبيل الله ودخان جهنم ، في منخر عبد مسلم ، ومن اغبرت قدماه ساعة فيه حرم على النار ، والذكر فيه بسبعمائة كالنفقة فيه ، وروحة أو غدوة فيه خير من الدنيا وما فيها ، وما ازداد فيه بعدا عن أهله إلا ازداد من الله قربا ، ودمه فيه يجىء يوم البعث لونه لون الدم وريحه ريح المسك وأفضل الناس من جاهد بنفسه وماله ، ثم رجل فى شعب يعبد الله وسلم الناس من شره ،