هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

118

الجزء ٦ · صفحة ١١٣

﴿ وعَلى الثَّلاثةِ الَّذينَ خُلِّفُوا ﴾ عن الغزوة ، وخُلِّفوا عن التوبة بدليل ﴿ حتى إذا ضاقت ﴾ الخ ، ولم يخضعوا كما خضع أبو لبابة وأصحابه فأخرت توبتهم ، كما قيل : إنهم خلف أمرهم ، فقد قيل : إنهم المرجون لأمر الله ، ونسب لمجاهد ، كما روى عن كعب بن مالك وهو أحد الثلاثة : ليس بتخلفنا عن الغزو ، ولكن تأخير النظر فى أمرنا ، وقال الحسن : هم غيرهم ، والعطف على قوله D : ﴿ على النبى ﴾ وقرأ جعفر الصادق : خالفوا ، والأعمش : وعلى الثلاثة المتخلفين .

﴿ حتَّى إذا ضَاقَتْ عَليهم الأرْض بما رَحُبتْ ﴾ الباء بمعنى مع ، وما مصدرية ، أى مع ربحها أى سعتها ضاقت عليهم خوفا من الله ، ولإعراض الناس عنهم بالكلية فضيقها ، مثل للحيرة فى أمرهم ، كأنهم لا يجدون فيها مكانا يقرون فيه ، قال كعب ، وهو أحد الثلاثة : تحيرت حتى تنكرت الأرض فى نفسى ، فما هى بالأرض التى أعرف .

﴿ وضَاقَت عَليْهم أنفُسُهم ﴾ قلوبهم لشدة الوحشة والغم ، لا تأنس بشىء ، ولا تسر به ، وقد أمر رسول الله A أن لا يكلمهم أحد ، ولا يجالسهم ولا يأويهم أهلهم ﴿ وظَنُّوا ﴾ علموا ﴿ أنْ ﴾ مخففة ﴿ لا ملْجأ منَ ﴾ غضب ﴿ اللهِ ﴾ متعلق بمحذوف خبر لا ، وإلا كان ملجأ منونا ﴿ إلاَّ إليهِ ﴾ أى إلا إلى استغفاره ، والاستثناء مفرغ أى إلى شىء إلا إليه ، فحذف قولك إلى شىء ، ويجوز كون من الله نعتا لملجأ وإليه خبرا ، وسئل أبو بكر الوراق عن التوبة النصوح فقال : أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت ، وتضيق عليه نفسه ، كتوبة كعب بن مالك وصاحبيه .

﴿ ثمَّ تابَ عَليْهم ﴾ وفقهم للتوبة ﴿ ليتُوبُوا ﴾ أو قبل توبتهم ليعدوا فى جملة التوَّابين ، وذكر التوبة مع ذكرها بقوله : ﴿ وعلى الثلاثة ﴾ تأكيدا أو الأولى بمعنى غفران الذنب ، وقوله : ﴿ ثم تاب ﴾ الخ بمعنى إزالة الوحشة ليستقيموا على الندم ، ويعدوا من جملة التوَّابين ، أو ليعتادوا التوبة إذا أذنبوا بعد ، أو كررت لتكون بحيز ما فعلوا ، كما تقول : عفوت عن عبدى عصانى وتضرع إلى فعفوت عنه ، أو هذه توبة أخرى ، أى رجع عليهم بالتوبة والرحمة مرة أخرى ليستقيموا على التوبة ، ويطمئنوا .

وعلى كل حال فإنما بدأ بالتوبة تنبيها على تلقى النعمة ، ولو كان الكلام فى تعديد الذنب لكان الابتداء بما يليق بالمذنب ، وإنما شدد على هؤلاء الثلاثة لعظم شأنهم ، ففى تخلفهم حجة للمنافقين والطاعنين ، إذ هم : كعب بن مالك ، وهلال بن أمية ، ومرارة بن الربيع ، وكان كعب من أهل العقبة ، وصاحباه من أهل بدر ، وبقدر الترقى فى المعالى يشتد قبح المعصية والمكروهات ، وخلاف الأولى ، ألا ترى الثوب الشديد البياض والصفاء والنقاء والملاسة ، يتأثر فيه من الوسخ مالا يتأثر فى غيره ، ويظهر فيه منه ما لا يظهر فى غيره .

٢٬٦١٣ / ٧٬٦٨٠