هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

112

الجزء ٦ · صفحة ١٠٤

﴿ التَّائبونَ ﴾ أى هؤلاء البائعون هم التائبون ، فهو خبر لمحذوف على المدح ، ويدل له قراءة ابن مسعود ، وأبىّ التائبين بالياء ، نصبا بمحذوف على المدح ، أى أعنى أو جرى على أنه نعت المؤمنين ، وكذا هو فى مصحف ابن مسعود ، وقيل : هو بدل من واو يقاتلون ، وأجاز الزجاج كونه مبتدأ محذوف الخبر يقدر بعد تمام الأوصاف هكذا من أهل الجنة وإن لم يجاهدوا ، لقوله سبحانه وتعالى : ﴿ وكلاًّ وعد الله الحسنى ﴾ ويجوز كونه مبتدأ خبره ما بعده ، وما بعد ذلك أخبار متعددة ، أى التائبون من الكفر والمعاصى على الحقيقة هم الجامعون للعبادة والحمد ، وما بعد ذلك ، وقيل : خبره الآمرون والتوبة باحتراق القلب على المعصية ، والندم والعزم على تركها ، وخوف العقاب ، ورد المظالم إن كانت عن المظلمة ، وعلى الوجهين الأخيرين لا يكون ذلك فى خصوص البائعين ، وعلى ما قبلهما يكون فى خصوصهم ، فلا يدخل فى البعدية إلا من جمع هذه الصفات ، أو ما تعين عليه منها .

وسأل رجل الضحاك عن قوله سبحانه وتعالى : ﴿ إن الله اشترى ﴾ الآية وقال : ألا أحمل على المشركين فأقاتل حتى أقتل ، فقال الضحاك : ويلك أين الشرط ﴿ التائبون العابدون ﴾ الآية وقول الضحاك هذا صواب ، وقال بعض قومنا : إنه تشديد ، وإن الشهادة ماحية لكل ذنب إلا مظالم العباد ، وإنه روى أن الله تعالى يحمل عن الشهيد مظالم العباد ويجازيهم عنه ، وذكر بعضهم أن المراد التوبة من كل معصية ، ومما الأولى خلاف ، والرجوع من حال إلى ما هو أحسن .

﴿ العَابدُونَ ﴾ المتقربون إلى الله بالفرض والنفل بإخلاص .

﴿ الحَامِدُونَ ﴾ الذاكرون الله فى السراء والضراء بأوصافه الحسنى ، قال رسول الله A : « قضى الله خيرا لكل مسلم إن أعطاه شكر ، وإن ابتلاه صبر » أو الشاكرون الله على النعم ، والأول أظهر ، وفى الحديث : « أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله فى السراء والضراء » .

﴿ السَّائحونَ ﴾ قال ابن مسعود وابن عباس : الصائمون ، وكذا فسره رسول الله A ، وروى : « سياحة أمتى الصوم » وعن الحسن السياحة كثرة الصوم ، وذلك أن فى الصوم ترك اللذات كالسياحة ، ولأنه رياضة نفس ، وتهذيب لها ، فيوصل إلى خفايا الملك والملكوت ، كما أن السائح يلقى أنواع ضر فيصبر ، والعلماء والصالحين فيستفيدوا عجائب فيتفكر وتعود عليه بركة ذلك كله ، وقد قال بعضهم : السائحون الجائلون بأفكارهم فى قدرة الله وملكوته وهو حسن .

قال معاذ بن جبل : اقعد بنا نؤمن ساعة نفكر فيزداد إيماننا ، ويترك الشهود تنفتح الحكمة والأنوار ، قال رسول الله A : « من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه فيصير من السائحين فى عالم جلال الله ، المنتقلين من مقام إلى مقام ، ومن درجة إلى درجة ، ولا يتأتى الإخلاص مع تتبع اللذات » .

٢٬٦٠٤ / ٧٬٦٨٠