108
الجزء ٦ · صفحة ٩٧﴿ لا تَقُم فيه أبداً ﴾ أى لا تُصلِّ فيه ، وكان A لا يمر به فى الطريق بعد نزول هذا ، وكان النهى عن القيام فيه مبالغة مراد بها النهى عن الصلاة فيه ، كما قال : ﴿ لا تقربوا الزنى ﴾ على ما قيل ، والمعنى عند النهى عن مقدمات الزنى ودواعيه ، وكذا هذه الآية تحتمل النهى عن دخوله مطلقا ، إذ كان تعظيما له ، فيكون ذكر القيام فيه ، وأراد مطلق الكون فيه ، وكل مسجد بنى ضرارا أو رياء وسمعة ، أو لغير الله مطلقا فحكمه حكم مسجد الضرار .
ولما فتح الله الأمصار على عمر رضى الله عنه ، أمر المسلمين أن يبنوا المساجد ، وأن لا يتخذوا فى مدينة مسجدين يضار أحدهما صاحبه ، قال النقاش : لا يصلى فى كنيسة لأنها بنيت على شر .
﴿ لمسْجدٌ ﴾ اللام للابتداء ، وقيل : هى اللام الواقعة فى جواب القسم ، والقسم محذوف أى والله ، ومعنى اللامين تأكيد ، وهذا القول عندى ضعيف لا الأصل عدم الحذف ولا دليل عليه .
﴿ أسِّسَ ﴾ أى وضع أساسه ، أى أصله ﴿ عَلى التَّقوَى ﴾ الطاعة وترك المعاصى ، هو مسجد قباء بضم القاف والمد والصرف ، لأنه موضع ، والمنع لأنه بلدة وبقعة وقرية ، وضع أساسه رسول الله A حين هاجر وبلغ قباء ، وقد كان موضع صلاة قبل ذلك ، وصلى فيه أيام قيامه فى قباء ، وهى أربعة عشر كما فى صحيح مسلم ، وقيل : اثنان وعشرون ، وقيل : الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس ، وخرج حين ارتفع النهار من يوم الجمعة ، وكان بعد ذلك يزوره فى كل سبت راكبا أو ماشيا ويصلى فيه ركعتين ، وقال : « إن ركعتين فيه كعمرة » .
ويدل على أنه مسجد قباء قوله : ﴿ فيه رجال يحبون أن يتطهروا ﴾ فانه كما قال أبو هريرة : نزلت فى أهل قباء ، وكذلك قال ابن عباس ، والحسن ، وفرقة من الصحابة والتابعين وهو المشهور الصحيح فيما قيل وأوفق للقصة ، فإن الموازنة بينه وبين مسجد الضرار أولى ، لأنهما جميعا بقاء من الموازنة بين مسجد الضرار ومسجد المدينة ، وقيل : إن الذى أسسه غير رسول الله A ، لكن أسس على الإسلام لوقوع الإسلام فى الأنصار قبل الهجرة ، ووجده مبنيا ، وكان مربطا لحمار امرأة من الأنصار تسمى لبة ، فكان المنافقون يقولون : والله لا نصبر على الصلاة فى مربط حمار لبة ونحو ذلك .
وقال علىّ ، وعثمان ، وابن عمر ، وزيد بن ثابت ، وأبو سعيد : المراد مسجد المدينة ، قال أبو سعيد : « اختلف رجل من بنى خدرة ، ورجل من بنى عمرو بن عوف ، فقال الخدرى : هو مسجد الرسول ، وقال الآخر : هو مسجد قباء ، فأتيا رسول الله A فسألاه فقال : » هو مسجدى هذا وفى الآخر خير كثير « » .