هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

114

الجزء ٦ · صفحة ١٠٨

﴿ ومَا كانَ اسْتغفار إبْراهيمَ ﴾ وقرأ طلحة وما استغفر إبراهيم ، وروى عنه وما يستغفر إبراهيم على حكاية الحال الماضية ﴿ لأبيهِ ﴾ آزر ﴿ إلا عَنْ مَوْعدةٍ ﴾ مصدر ميمى زيدت فيه التاء شذوذا ﴿ وَعَدَها ﴾ إبراهيم ﴿ إيَّاهُ ﴾ بالمثناة أى أباه بالموحدة والتخفيف ، ويدل لذلك قراءة الحسن وعدها أباه بالموحدة والتخفيف ، وتلك الموعدة هى قوله لأبيه : ﴿ سأستغفر لك ربى ﴾ وقوله : ﴿ لأستغفرن لك ﴾ أى أدعو الله أن يغفر لك ذنوبك ولو لم تسلم ، لأن العقل يجوز أن يغفر للمشرك كذا قال جار الله قال : كما لا يؤاخذون بشرب الخمر ، وبيع الصاع بصاعين قبل النهى ، أو أن يوفقك للإسلام الذى هو جب لما قبله ، فيغفر لك ذنوبك ، وإنما وعده الاستغفار رجاء لإسلامه .

وقد جار أن يكون المستتر فى وعد لأبيه ، فإياه لإبراهيم أى إلا عن موعدة وعدها أبوه له ، وهى أنه سيؤمن ، قال ابن هشام : عن للتعليل أى ويجوز إبقاؤها على أصلها فتعلق بحال محذوف ، أى إلا صادرا عن موعدة وإنما ساغ له استغفار باعتبار رأيه قبل نزول الوحى ، فكأنه قال : إلا عن موعدة وعدها إياه لما أداه إليه رأيه قبل أن ينهاه .

﴿ فلمَّا تَبيَّن ﴾ بإيحائنا ﴿ أنَّه عدوٌّ للهِ ﴾ أى أنه لا يجوز له الاستغفار ، فعبر بالملزوم أو السبب عن اللازم أو المسبب ، فالملزوم أو السبب هو كونه عدواً لله ، واللازم أو المسبب هو عدم جواز الاستغفار ، فكأنه قال : إلا عن موعدة وعدها إياه قبل أن يتبين له أنه لا يجوز الاستغفار له ، فلما تبين له أنه لا يجوز لعدوانه بالكفر ﴿ تَبرَّأ منْهُ ﴾ انقطع عنه بترك الاستغفار ، هذا ما ظهر لى فى تطبيق الآيتين على المذهب ، وإن قلت : إنه تبينت له العداوة على حقيقتها بالموت على الكفر ، أو بالوحى بأنه عدو لا يؤمن ، أو بموت إبراهيم ، ويكون التبرؤ على هذا فى الآخرة .

كما روى أنه يلقاه أغير الوجه أسوده ، فيقول : ألم أقل لك لا تعصنى؟ فيقول : لا أعصيك اليوم ، فيقول : يا رب وعدتنى أن لا تخزينى يوم البعث ، فقول الله تعالى : إنى حرمت الجنة على الكافرين ، فيصور أخبث ما يكون بصور ذكر الضباع ، فيقال : انظر ما تحت رجليك؟ فينظر فيقول ألقوه فى النار ، قلت : إذا صح ذلك ولا بأس به ، فلمذهبنا أدلة من خارج على منع الاستغفار للكفرة والمنافقين ، ولو لم تفد هذه الآية إلا منع الاستغفار بعد تبين أنه كافر .

﴿ إنَّ إبْراهيمَ لأوَّاهٌ ﴾ بالغ من الخوف لله ، ومن النار والخشوع ، والتضرع والدعاء ، والتوبة والرحمة للناس ، والإيقان والذكر ، والتسبيح وتعليم الخير ، ولزوم الطاعات ما هو غايته ، بحيث يكون له تنفس الصعداء ، وصوت الصدر ، واحتراق القلب ، فكان يقول أوه ليخف بعض ما به ، أوه من غضب الله ، فالأوَّاه فعال بفتح الفاء وتشديد العين من أوه أى كثير التأوُّه وعظيمه ﴿ حَليمٌ ﴾ صبور على الأذى أو سيد لكمال عقله ، وهذه الجملة لبيان أنه مع هذه الرحمة منه ، والرقة والحلم تبرأ من أبيه حين أعلمه أنه عدو لله ، وقيل : لبيان أن حامله على الاستغفار مع صعوبة خلق أبيه شدة رحمته وحلمه .

٢٬٦٠٨ / ٧٬٦٨٠