هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

122

الجزء ٦ · صفحة ١٢١

﴿ وما كانَ المؤمِنُونَ لينْفِرُوا كافَّةً ﴾ إلى الغزو ، أى ما يستقيم لهم ذلك ، فقوله عز وعلا : ﴿ ما كان لأهل المدينة ﴾ فيما إذا نفر رسول الله A بنفسه مطلقا ، أو فيما إذا نفر واستنفرهم للحاجة إليهم ، وقوله : ﴿ وما كان المؤمنون ﴾ فى بعثة السرايا فلا نسخ ، قاله ابن عباس ، والضحاك ، وقتادة ، وإنما هى استثناء ، ومعنى مراد فى قوله : ﴿ ما كان لأهل المدينة ومن حولهم ﴾ إلخ ونحوه ، إذ لا يمكن أن يراد إيجاب عدم التخلف عليهم كأنهم أجمعين ، حتى لا يبقى من يحفظ الوحى ، واللام لتأكيد النفى .

﴿ فَلوْلا ﴾ هلا ﴿ نَفَر من كلِّ فرقةٍ ﴾ جماعة كثيرة كقبيلة وأهل بلدة ﴿ منْهُم ﴾ نعت فرقة ﴿ طائفةٌ ﴾ جماعة قليلة ومكث الباقون ، وذلك يدل على أن الفرقة أكبر من الطائفة ، لأن القليل هو الذى ينتزع من الكثير ، وقد يقال : إنهما سواء فى جواز الإطلاق على العدد القليل والكثير ، فإذا أطلق أحدهما على الكثير صح استثناء الآخر منه ، على أنه مستعمل فى القليل ، كما يجوز هذا ولو فى اللفظ الواحد ، تقول : جاءت من الفرقة الكثيرة فرقة قليلة ، أو من الطائفة الكثيرة طائفة قليلة ، صرح الجوهرى باستوائهما .

﴿ ليتَفقَّهوا ﴾ ليتكلفوا العلم عن الرسول ﴿ فى الدِّينِ ﴾ والواو للماكثين أو للكل باعتبار الماكثين إسنادا لما للبعض إلى الكل ، ولأن تفقههم تفقه للنافرين ، لأنهم يعملونه ، والفقه لغة الفهم والعلم فى الدين أو غيره ، وذلك قيد فى الآية بالدين ، لأنه المراد ، والقرآن نزل بلغة العرب ، ثم خص فى عرف العلماء بعلم الدين ، وقيل : الفقه الوصول إلى علم غائب بعلم شاهد ، فهو أخص ، واللام متعلق بمكث المقدر ، أى ومكث الباقون ليتفقهوا ، أو ينفروا ، لأن المعنى هلا اقتصروا على نفور طائفة كذا ظهر لى .

﴿ ولينْذِرُوا ﴾ أى الماكثون ﴿ قَومَهم ﴾ وهم الطائفة النافرة ﴿ إذا رجَعُوا ﴾ أى هؤلاء النافرون ﴿ إليهم ﴾ من الغزو بتعليم ما تعلموه من الأحكام بالسنة ، أو بنزول القرآن حال غيبة النافرين ﴿ لَعلَّهم يحْذَرونَ ﴾ العقاب بالائتمار والانتهاء ، فإن العلم فرض كفاية فى صور ، وفرض عين فى أخرى ، وإذا ضيع فرض الكفاية ضيع فرض العين ، والآية دليل على عظم العلم والتعليم ، إذ جعلا فى مقابلة الجهاد ، بل هما أفضل إذ بهما يعرف الجهاد ، ويحيا الدين لما بعد ، بل هما الجهاد الأكبر ، لأن الأصل فى الجهاد هو الجدال بالحجة ، وإنما يعدل عنه إلى الجهاد بالسيف عند المكابرة والعناد .

واستدل بعضهم بالآية على أنه يقصد بالتعلم الإرشاد والتعليم والإنذار ، وخص الإنذار بالذكر لأنه أهم ، وذلك هو الذى ذهبت إليه مع نية نفى الجهل عن نفسه ، وبنية فضيلة العلم ، وعدم فصل الترفع على الناس ، واقتناء الأموال والجاه ، وعلو الصيت ، ولكنى أقول ذلك من خارج لا من الآية ، لأن التعليل فيها للنفر والمكث ، من حيث إنه مفعول ، فإنك إذا قلت إيت لأكرمك ، لا تريد أقصد بإتيانك الإكرام ، بل تريد أنى أقربك بالإتيان لتأتى لأكرمك فافهم ، وبذلك قال الشيخ إسماعيل الجيطالى .

٢٬٦٢١ / ٧٬٦٨٠