117
الجزء ٦ · صفحة ١١١﴿ لَقَد تابَ اللهُ عَلى النَّبىِّ والمهاجِرينَ والأنصارِ ﴾ أى أدام التوبة عليهم ، أو نجاهم من مواقعة الذنوب ، أو ذلك تحريض لسائر الناس والمؤمنين على التوبة ، بذكر توبة من لم يذنب ليؤنس من أذنب ، قال الشاذلى : أو تاب على هؤلاء فى اقتصارهم عن حال هى أفضل من حالهم إذ لا أحد إلا وله مقام يستنقص دونه ما هو فيه ، والترقى إليه توبة من تلك النقيصة ، ففى ذلك بعث إلى التوبة ، وإظهار لفضلها بأنها مقام الأنبياء والصالحين ، ولعظمة حق الله .
أو تاب على النبى فى إذنه للمنافقين بالتخلف ، وعلى المهاجرين والأنصار فى ما قد يصدر عنهم من خلاف الأولى ، ومن معصية ، إذ هم غير معصومين لكن يتوبون رضى الله عنهم ، أو فيما وقع فى قلوب بعضهم من الميل إلى القعود عن تبوك ، لأنها فى وقت الشدة ، وفى قدوم بعضهم من أنه لا نقدر على قتال الروم فى هذه الشدة وفى بلادهم ، أو ذلك افتتاح كلام بلين وبركة ، أو تاب على المهاجرين والأنصار فيما صدر منهم ، وذكر النبى تشريفا لهم ، كما يذكر اسم الله تشريفا لرسوله كقوله : ﴿ فأن لله خمسه ﴾ على ما مر ، بل فى ذكر النبى A على كل وجه من تلك الأوجه تنبيه على عظم مراتبهم فى الدين .
﴿ الَّذينَ ﴾ نعت المهاجرين والأنصار ﴿ اتَّبعُوه فى ساعَةِ العُسْرة ﴾ هى وقت غزوة تبوك ، كانوا فى عُسرة الظهر يتعاقب العشرة على بعير ، وفى عُسرة الطعام ، وإنما كان طعامهم التمر المدوِّد ، والشعير المسوِّس ، والشاء العجاف ، يقتسم الاثنان التمرة وربما مص الجماعة تمرة يلوكها واحد حتى تخرج الطعم ، ويتداولونها كذلك حتى لا يبقى إلا نواتها ، ويشربون الماء على ذلك ، ويعطشون حتى إن الرجل يوما لينحر بعيره فيمص فرثه ، وتجعل ما بقى على كبده ، وحتى ظنوا أن رقابهم ستقطع بالعطش ، ويذهب الرجل يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته تقطع .
ذكر ابن عباس ، عن عمران أن أبا بكر قال : « يا رسول الله قد عوَّدك فى الدعاء خيرا فادعو الله ، فقال : » أتحب ذلك؟ « قال : نعم ، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى أظلمت السماء ثم سكبت وملئوا أوعيتهم ، وذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر » ، وكانوا فى شدة الحر والجدب ، ومضوا رضى الله عنهم مع رسول الله A فى ذلك لصدقهم ويقينهم ، تخرج الجماعة وما معهم إلا التمرات وجملة العسكر سبعون ألفا بين راكب وماش ، ومهاجر وانصارى وغيرهما ، وسموا جيش العُسرة ، وسميت الغزوة غزوة العُسرة ، كما سمى الله سبحانه وتعالى وقتها ساعة العسرة ، والساعة كثيرا ما تستعمل فى مطلق الزمان ولو طويلا ، جهز فيها عثمان بن عفان بألف جمل ، وألف دينار ، وقيل : على ألف إلا خمسين ، وأكملها خيلا ، وجهز رجل من الأنصار سبعمائة وسق .