4
الجزء ٦ · صفحة ١٣٦قال فى عرائس القرآن : كان ابتداء أمر يعقوب ويوسف وبدوّ محبته له ، وإيثاره على سائر أولاده ، أن الله تعالى أنبت ليعقوب شجرة فى صحن داره ، فكان كلما كبر الغلام وشبّ طال القضيب وغلظ ، ودفعه إلى ولده حتى تم له عشرة أولاد بشعرة قضبان ، فلما ولد يوسفن لم يخرج الله له قضيبا ، ولما كبر وشب قال لأبيه : يا نبىّ الله إنه ليس أحد من إخوتى إلا وله قضيب ، وأنا ليس لى قضيب ، فادعو الله أن يخصنى بقضيب من الجنة .
فرفع يعقوب يديه إلى السماء وقال : إلهى إنى أسألك أن تهب ليوسف قضيبا من الجنة ، يفتخر به على جميع غخوته ، فهبط جبريل ومعه قضيب من الجنة ، من الزبرجد الأخضر ، فقال ليوسف : خذها ، فكان يوسف يأخذه ويخرج به مع إخوته ، فرأى يوسف فى منامه وهو إذ ذاك صبى ، كأن قضيبه غرس من الأرض ، فعلق وتدلت أغصانه ، وأثمر كل غصن ، ثم جئ بعصى إموته فغرست حولها ، فلم تعلق ، ولم تتفرع ، ولم تثمر ، وإذا بعصى يوسف أقصرها ، فلم تزل تعلوا حتى طالت عليهن ، ثم هبت الريح فقلعتهن فألقتهن فى البحر ، وثبتت عصى يوسف ، فانتبه فزعا مرعوبا .
فقال له أبوه ما الذى دهاك؟ فقص عليه رؤياه ، فبلغ ذلك إخوته فقالوا : يا ابن راحيل لقد رأيت عجبا يوشك أن تدعى أنك مولانا ونحن عبديك ، فشق ذلك عليهم وحسدوه .
قال وهب بن منبه : رأى هذه الرؤيا وهو ابن سبع ، ثم رأى الكواكب والشمس ، والقمر ، وهو ابن اثنتى عشرة انتهى .
وذكر جار الله ، عن وهب : أنه رأى وهو ابن سبع ، أن إحدى عشرة عصى طولا لا مركوزة فى الأرض كهيئة الدائرة ، وإذا عصى صغيرة تثبت عليها ، حتى أقلعتها وغلبتها ، فوصف ذلك لأبيه ، فقال : غياك أن تذكرها لإخوتك ، وقيل : كان بين رؤيا يوسف للنجوم والقمرين ، ومصير إخوته إليه أربعون سنة ، وهو قول ابن عباس ، وقيل : سمانون وهو قول ابن عباس ، وقيل : صمانون وهو قول الحسن .
﴿ رأيتُهم لى سَاجِدينَ ﴾ الرؤية الأولى مجرد إخبار بأنه رأى ذلك ، وهذه بيان لما وقفت عليه حالها ، وما رآها إلا مرة واحدة ، كما تقول : جاء زيد مريدا لمجرد الإخبار بمجيئه ثم تقول : جاء راكبا والمجئ واحد ، ولكن أردت بذكر مجيئه ثانيا بيانا لحاله ، فجملة ﴿ رأيتهم لى ساجدين ﴾ مستأنفة .
وقيل : رأيتهم تأكيد لقوله : ﴿ رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ﴾ وعليه الشيخ خالد ، قويل : إن ذلك من باب الاشتغال ، وإنه قد جمع بين المفسِّر والمفسَّر لجواز الجميع بينهما ، وهو قول ضعيف ، وعلى ما ذكرته أولا وهو الصحيح عندى يكون ساجدين مفعولا ثانيا لرؤيا الثانى ، على أن الرؤيا تتعدى لاثنين ، أو حالا على أنها تتعدى لواحد .