21
الجزء ٦ · صفحة ١٧١قال لخازنه : انظر هل بقى فى الخزائن شئ؟ فذهب فنظر ، فإذا هى لم ينقص منها شئ ، فرجع ضاحكا ، وأخبر الملك فقال له : كيف ذلك؟ فقال : لا أدرى إن شئت علم ذلك على الحقيقة فاسأل هذا الغلام ، فإنه يعلم . قال : وكيف ذلك؟ قال له : إنه يدعى أن له إلها يفعل ما يريد ، قال : ومن أين علمت ذلك؟ قال : لما اشترتيته وأان بجنبه تنزَّل عليه طائر أبيض فقال له : يا يوسف انظر كيف بيعك لنفسك ، باعوك ببخس ، والآن باعك ربك بخزائن مصر كلها .
فتعجب الملك من كلامه ، ثم سأل يوسف عن ذلك فقال : إن الله تعالى فعل ذلك إكراما لى لئلا تلومنى إذا بدرت منى زلة وتندم على ما وزنتن فليس لك علىَّ منه ، بل المنة الله عليك ، وأنا لك والمال لك ، وأقبل التارج لعى ليوسف يودعه ، فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك نبى الله ، ووهب له المال وانصرف ، فتبسم يوسف وقال للعزير : رده فى خزائنكن فكبر عند ذلك يوسف فى عين الملك وقال : قد جعلت خزائنى بيدك فافعل فيها ما شئت .
قال كعب الأحبار رضى الله عنه : لما أخذ العزيز يوسف عليه السلام ، وأتى به إلى زليخا ، وقال لها : أكرمى مثواه ، قالت : لم ذلك؟ قال : لأنه كريم ، فأكرمه الله تعالى بالإيمان بعد ذلك ، فروى أنها زينته بعشرة أنواع من الثياب : الأبيض والأخضر والأصفر والأحمر والأسود والمذهب ، وهكذا اتخذت لكل يوم دستا من الثياب ، فذلك ثلثمائة وستون دستا لكل عام ، واشتغلت بذكره لا تذكر سواه ، ولا تنظر إلى غيره ، ولا يخطر ببالها سواه .
وفى خبر : كانت صماء لا تسمع إلا كلام يوسف ، وأخذت يوسف ودخلت به بيت الصنم وقالت له : أيها الصنم المعظم بعبادتى لك ، وحبى فيك ، هله وجدت مؤنسا مثل هذا ، فتحرك الصنم وكان نم ذهب أحمر ، فوقع على وجهه ، وتقطع إربا ، فقالت له : ما الذى أصابك أيها الصنم ، فقال لها يوسف : ربى فعل به ذلك لسجودك له ، قالت : من ربك؟ قال لها : رب إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، الرب الذى خلقنى وخلقك .
قالت : كيف يعلم بسجودى؟ قال لها : هو غائب عن الأبصار ، ولا تغيب عنه ، قالت : إنى أحببته بحبك إياه ، حيث صور ملك إلاهه إلهك : ولولا أن لى إلها أعبده لعبدت إلهك ، لأن عبادة إلهين قبيحة .
فتبسم يوسف عليه السلام وخرج ، فتعلقت به وقالت له : إن الملك إذا رأى هذا الصنم هكذا يسأل اجوارى من فعل هذا به ، فأخسى أن يقلن : رب يوسف ، ولكن اسأل ربك أن يجعله كما كان .
زعمت القصاص أنه وقف وحرك شفتيه ، فقام الصنم كما كان ، فقالت : يا يوسف ظننت أنى أحبك وحدى ، فالآن إله السماء أيضاً يحبك ، فألبسه ثوبا أبيض مكللا عليه ألف لؤلؤة تساوى ألف دينار ، وأعطته منطقة مكللة بما لا يعلمه إلا الله من الياقوت والزبرجد ، فقال لها : كيف يجوز للعبد أن يلبس هذا والسيد دونه؟
فقالت له : أنت السيد وهو العبد ، وأنا الخادم ، أليس قال : ﴿ أكرمى مثواه ﴾ لو قدرت على أكثر من هذا فعلت ، ثم فصلت ثلاثمائة قميص وستين قميصا ، ومثل ذلك أقبية ، ومثل ذلك عمائم ، لكل يوم دست : وكانت كل يوم تزينه بزينة جديدة لا تشبه الأخرى ، وقالت لحكمائها : إنى أريد أن تبنوا لى بيتا ، إن كان يوسف نحو المشرق أراه نحو المغربن وإن كان نحو المغرب أراه نحو المشرق ، وإن كان فوق أراه أسفل ، وإن كان أسفل أراه فوق ، وإن كان على الأرض أراه فوق السطح ، وهو يرانى حيث توجهت .