118
الجزء ٦ · صفحة ١١٤كتب الأوزاعى إلى أبى جعفر المنصور ، فى آخر رسالته ، اعلم أن قرابتك من رسول الله A ان تزيد حق الله عليك إلا عظما ، ولا طاعته إلا وجوبا ، ولا الناس فيما خالف ذلك منك إلا إنكارا والسلام .
ولكنهم التجئوا إلى الله بالدعاء فتاب عليهم ، قيل : إذا نزلت بك نازلة فلا تبال بها ، والتجىء إلى الله بالذكر والعبادة والتفويض ، قال الله تعالى : « من شغله ذكرى عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين » أو بالصدقة أو بالدعاء فكيف بالجميع .
روى أنهم أوثقوا أنفسهم إلى السوارى فى المسجد ، وقيل أوثق واحد نفسه إلى سارية فيه ، وتصدق الآخر بجنَّاته وقد أينعت ، إذ كانت سبب تخلفه ، وركب الآخر المفاوز حتى لحق برسول الله A ورجلاه تسيلان دما .
وعن الحسن كان لأحدهم حائط - يعنى جبانا - خير من مائة ألف درهم ، فقال : أيا حائط ما خلفنى إلا ظلك وانتظار ثمرك ، اذهب فأنت فى سبيل الله . ولم يكن للآخر إلا أهله فقال : يا أهلاه ، ما بطَّأنى ولا خلَّفنى إلا الضن بك لا جرم والله لأكابَدنَّ المفاوز حتى ألحق برسول الله A فركب ولحق به . ولم يكن للثالث إلا نفسه فقال : يا نفسى ما خلَّفنى إلا حب الحياة لك ، والله لأكابدن الشدائد حتى ألحق برسول الله A ، فحمل زاده ولحق به قال الحسن كذلك ، والله المؤمن يتوب من ذنوبه ولا يصر عليها .
والمشهور أن الثلاثة الذين تخلفوا لم يلحقوه A ، بل قعدوا حتى رجع ، أما كعب فلم يتخلف عن غزوة إلا غزوة بدر ، ولم يعاتب عليها أحد إلا غزوة تبوك ، ولقد شهد ليلة العقبة ، وما يحب أن له بها بدرا ، وكان لكعب ذكر فى الناس ، وكان يتردد فى الخروج لغزوة تبوك حتى تجهزوا ، وخرجوا وبعدوا ، وأخبر عن نفسه أنه ما جمع راحلتين عند غزوة إلا عند هذه ، وما كان مؤثرا مثل ما كان عند هذه ، وكان أميل القوم إليها ولكن لم يقدروا له الخروج ، ولما تخلف هاب أن يخرج من داره ، ولا يرى إلا رجلا معينا عليه بالنفاق ، أو معذورا ، ولم يذكره A حتى بلغ تبوكا فقال وهو جلس : « ما فعل كعب بن مالك »؟
وقيل : ليت شعرى ما خلف كعب بن مالك؟ فقال رجل من بنى سلمة : خلفه حسن برديه ، والنظر فى جانبيه ، فقال معاذ بن جبل : بئس ما قلت ، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا فضلا وإسلاما فسكت A .
قال : ولما بلغنى أنه قفل من تبوك طفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا الخروج من سخطه غدا ، واستعنت بكل ذى رأى من أهلى ، ولما قيل : إنه قد أظل قادما زاح عنى الباطل ، فعزمت على الصدق ، فجاء للمسجد فصلى ركعتين ، وجلس للناس ، وجاء المخلُّفون يعتذرون فقبل منهم فصفح الرسول A عن المتخلفين وقبل عذرهم إلا ثلاثة نفر لمكانتهم وهم : كعب بن مالك ، ومرارة بن الربيع ، وهلال بن أمية .