هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

118

الجزء ٦ · صفحة ١١٥

وأمر الرسول A الصحابة بقوله : « لا تكلمنَّ أحدا من هؤلاء الثلاثة » .

وقال كعب : حين تخلفت عن الرسول فى هذه الغزوة - غزوة تبوك - لم أكن فى يوم أقوى منى فى هذا اليوم الذى تخلفت فيه عن رسول الله A ، ولقد هممت أن أرتحل فأدركهم ، وليتنى فعلت ، فلم أفعل وجعلت إذا خرج للناس وخرجت يحزننى أنى لا أرى ممن تخلف عن الغ زو إلا رجالا مغموص عليهم ، ولم يذكرنى النبى A إلا عندما وصل تبوك فقال : « ما فعل كعب بن مالك؟ » فقال معاذ : والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا .

فلما قفل رسول الله A من تبوك حضرنى الحزن ، فجعلت أتذكر الكذب وأقول : بما أخرج من سخط رسول الله A ؟ ولما أظل A قادما انزاح عنى الباطل والكذب وعرفت أنى لا أنجو إلا بالصدق .

وجاء المخلفون فجعلوا يحلفون له ويعتذرون ، فيقبل منهم النبى A علانيتهم وأيمانهم ، ويكل سرائرهم إلى الله تعالى ، ثم جئت وسلمت ، فتسم تبسم المغضب ، ثم قال لى : « تعالَهْ » فجئت حتى جلست بين يديه ، فقال لى : « ما خلفك؟ ألم تكن ابتعت ظهرك؟ » فقلت : لقد علمت إن حدَّثتك اليوم حديثا كذبا لترضين غنى ، ولكن يوشك الله أن يسخطك علىَّ ، وإن حدثك صادقا تغضب علىَّ فيه ، والله يا رسول الله ما كان لى عذر .

فقال A : « أما هذا فقد صدقت فيه فقم حتى يقضى الله فيك » فقمت فجاء رجال من بنى سلمة وحرضونى على أن أعتذر لرسول الله ، وكدت أفعل وأعود إليه وأكذب نفسى وعلمت أن زميلىَّ قالا مثل قولى فلم أفعل وعلمت أن الرسول نهى عن كلامنا حتى يقضى الله أمرا فينا .

فأقمنا على ذلك أربعين ليلة من الخمسين ، ثم أكملنا العشرة الباقية من الخمسين ثم صليت الصبح ، صبح خمسين ليلة على ظهر بيت لى ، وقد ضاقت علىَّ الأرض عما رحبت ، وبينما أنا كذلك إذ سمعت صارخا يقول بأعلى صوته : يا كعب بن ملك أبشر ، فخررت ساجدا ، وعرفت أن قد جاء الفرج ، وآذن الرسول بتوبة الله علينا حين صلى الفجر ، فذهب الناس يبشروننا ، وركض رحل على فرس له وهو يصرخ بأعلى صوته على الفرس فلما جاء صاحب الصراخ كسوته ثوبى وما أملك غيرهما ، واستعرت ثوبين ، وكذا صاحباى جاء إليهما مبشرون ، وقصدت رسول الله A فتلقانى الناس فوجا يهنئوننى بتوبة الله علىَّ ، ودخلت المسجد فهرول إلىَّ طلحة بن عبيد الله حتى صافحنى ، وما قام إلىَّ مهاجر سواه فلا أنساها له ، ولما سلمت على رسول الله A قال وهو يبرق وجهه من السرور : « أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك » قلت : أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال : « بل من عند الله » وكان إذا سر استنار وجهه كأنه القمر .

٢٬٦١٥ / ٧٬٦٨٠