154
الجزء ٥ · صفحة ٢١٧﴿ ولمَّا سَكتَ عَن مُوسَى الغَضَب ﴾ أى سكن باعتذار هارون أو بتوبتهم أو بهما ، شبه سكون الغضب بعد هيجانه بالسكوت بعد التكلم ، بجامع أنه كلام بعد وجود وإمساك بعد شروع ، فسمى السكون باسم السكوت ، واشتق سكت بمعنى سكن على طريق الاستعارة التبعية التصريحية ، أو شبه الغضب بإنسان متكلم يقول : قل لقومك كذا ، وألقى الألواح وجرّ أخاك إليك برأسه ولحيته ، ثم ترك القول ، وذلك تشبيه مضمر على طريق الاستعارة المكنية والسكوت رمزاً واستعارة تخيلية ، فعلى الوجه فقد جعل الغضب كالاغراء لموسى والأمر له بإسكان الميم ، وعلى الثانى بقسميه جعل كالمغرى له ، والأمر بالمد وكسر الميم ، ولا يخفى ما فى ذلك من المبالغة والبلاغة ، مع أن الاستعارة مطلقا مبنية على المبالغة بجعل المشبه من جنس المسبه به مبالغة وادعاء .
هذا ما ظهر لى فى الآية ، ثم رايت بعضه لجار الله ، والقاشى ، وشيخ الإسلام ، والسكوت مصدر لسكت بمعنى ترك التكلم ، ولسكت بمعنى سكن ، وقال الزجاج : إن مصدر هذا سكت بفتح السين وإسكان الكاف ، يقتضى أن سكت بمعنى سكن حقيقة وفعل على حدة ، وقيل ذلك من القلب ، أى سكت موسى عن الغضب ، كقولك : أدخلت الخاتم فى أصبعى ، والصل أدخلت أصبعى في الخاتم ، وحكاه بعضهم ، وتوهم أنه لا استعارة فيه ، وأنه حقيقة ، وليس كذلك ، بل هو من الاستعارة ، فإن الغضب ليس مما يسكت عنه ، وإنما يسكت عن الكلام ، وقرئ : ولما سكت بالتشديد والبناء للمفعول ، وفى مصحف حفصة : ولما أسكت بالهمزة والبناء للمفعول ، وفى مصحف ابن مسعود : ولما صبر ، وفاعل ذلك الله أو هارون باعتذاره ، أو القوم بتوبته أو هما ، قال النقاش : وفى مصحف أبىّ ولما اشتق عن موسى الغضب أى زال عنه ، وقرأ معاوية بن قرة : ولما سكن ، وليس فيهما المبالغة والبلاغة المذكورتان .
﴿ أخَذَ الألواحَ ﴾ ما كسر وما لم يكسر ، وقال الإمام الرازي ، هذا يدل على أن الألواح لم تكسر ، ولم يرفع من التوراة شئ اه . المشهور أنه أنكسر بعضها كما مر ورفع ما فى المنكسر ، وقيل : ذهب بالانكسار ولم يتبين ﴿ وفي نُسْختها ﴾ أى ما نسخ فيها ، أى كتب كالخطبة بمعنى الألفاظ المخطوب بها ، والضحكة بإسكان الحاء بمعنى الإنسان المضحوك عليه ، ونسخ فيها من اللوح المحفوظ ، وقيل : وفيما نسخ منها أو ينسخ ، وذلك أنهم نسخوا ما فى الألواح المنكسرة وغيرها على القول بأن ما فى المنكسرة لم يرفع ولم يذهب ، أو نسخوا ما فى غير المنكسرة على القول بالرفع ، أو الذهاب ، وعن ابن عباس : أنها انكسرت كلها فصام أربعين يوما فردت عليه فى لوحين فيهما ما كان فى كلها .
﴿ هُدًى ﴾ بيان للحق ﴿ ورحْمةٌ ﴾ إرشاد إلى ما يوجب الإنعام الدائم ﴿ للَّذينَ هُم لربِّهم ﴾ اللام لام التقوية ، دخلت على مفعول الفعل من قوله : ﴿ يرْهبُون ﴾ أى يخافون لضعفه على العمل بتقدم مفعوله ، هذا هو المختار ، و عليه ابن هشام ، ويوز أن تكون تعليلية ، فمفعول يرهب محذوف أى يرهبون المعاصى لأجل ربهم ، أى لتعظيمه أو لعقابه ، ولا يصح قول بعضهم : إن المعنى لأجل طاعة ربهم ، أى لتعظيمه أو لعقابه ، ولا يصح قول بعضهم : إن المعنى لأجل طاعة ربهم ، أو خوف ربهم يرهبون العقاب والوعيد ، إلا إن أراد أن طاعة الله أو خوفه خوف إجلال كانت سببا لرهبتهم العقاب ، ولو لم يطيعوه ولم يخافوه لقست قلوبهم فغفلون عن العقاب ، فلا يتصفون برهبته ، ولا مانع من جمع الخوف خوف إجلال ، والخوف خوف عقاب ، وعن المبرد متعلق بمصدر ، والتقدير : والذين رهبتهم لربهم ، ومراده بالتعلق مجرد رجوع المعنى إلى ذلك المصدر ، فإن المصدر مبتدأ ولربهم متعلق بمحذوف خبر له لا به .