هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

171

الجزء ٥ · صفحة ٢٤٨

﴿ و ﴾ اذكر يا محمد ﴿ إذْ نَتَقنا ﴾ رفعنا كما فى الآية الأخرى ، وأصل النتق الجذب واقتلاع الشئ ، واناتق الرحم التى تجلب الولد من الرجل ، قال A : « عليكم بتزوج الأبكار فإنهن انتقى أرحاما وأطيب أفواها » ﴿ الجَبَل ﴾ قال ابن عباس فى رواية عطاء : هو جبل الطور كما ذكر فى الآية الأخرى بلفظ الطور ، لكن ليست نصا فيه ، لأن الجبل مطلقا يسمى طورا فقيل : هو جبل الطور ، وقيل : جبل من الجبال لا ندرى ما هو ، وقيل : جبل من فلسطين ، وعليه أبو العالية عن ابن عباس ﴿ فَوقَهم ﴾ بينهم وبين رءوسهم قامة الرجل .

﴿ كأنهُ ظُلَّة ﴾ هى كل ما أظلك وأشرف عليك من سقف أو سحاب أو غيرهما ، فإنما شبهه بالظلة مع أنه ظلة ، لأن الجبل ليس مما يكون ظلة فى العادة ، فشبه بالظلة التى اعتادوها كسقف وسحاب ، أو المراد الظلة التى هى أشهر وأشد اعتيادا وهى السقف المعتمد على نحو جدار فصح التشبيه ، فيكون شبه بظلة كانت عمدا ، وقرئ ظلة بالطاء المهملة ، والمعنى واحد ﴿ وظَنُّوا ﴾ بجحوا ، وقيل : أيقنوا ، وعليه الجمهور ولا وجه له إلا إن علق الإيقان بعدم قبول التوراة ، ثم رأيت شيخ الإسلام وجهه بهذا ، والحمد لله ، و عليه فإنما عبر بالظن ليناسب عدم وقوع الجبل ، فإنه لم يقع ﴿ أن\َّه واقعٌ بِهِم ﴾ أى عليهم أو الباء بلإلصاق .

﴿ خُذُوا ﴾ قلنا لهم خذوا ، فالكلام مفعول لقول محذوف على الاستئناف ، أو قدر بعاطف ، أى وقلنا أو فقلنا ، أو يقدر حال من ن فى قوله : ﴿ نتقنا ﴾ أى قائلين خذوا الخ ، والقائل الملك أو موسى بأمر الله ﴿ مَا آتيْناكُم ﴾ وهو التوراة ﴿ بقوَّةٍ ﴾ متعلق بخذوا ، أو بمحذوف حال من الواو ، والقوة الجد والعزم على تحمل مشاقه ﴿ واذكُرُوا ما فيهِ ﴾ من الأمر والنهى والقدرة ، وغير ذلك ولا تنسوه ، واعملوا به ، أو اذكروه بالعمل ولا تتركوه ، أو اذكروا ما فيه من الثواب العظيم فترقبوا ، وزعم جار الله أنه يجوز أن يكون ذلك تعجيزا كقوله : ﴿ فانفذوا ﴾ وقرأ الأعمش فيماحكى عنه أبو الفتح : واذكروا بتشديد الذال وكسر الكاف ، الأصل وذتكروا بوزن افتعلوا ، قلبت التاء ذالا وأدغمت فيها الذال ، وقيل عنه : إنه قرأ واذكروا بفتح الكاف وهو أيضا بهمزة الوصل ، وقد قرأ ابن مسعود : وتذكروا على هذا الأصل .

﴿ بعلَّكُم تتَّقُونَ ﴾ قبائح الأعمال والأخلاق ، ولعل الترجى بالنسبة إليهم ، أو للتعليل ، وفى عرائس القرآن : كانت التوراة شريعة ثقيلة فأبوا أن يعملوا بها ، فأمر الله جبريل فقلع جبلا على قدرهم ، وكان فرسخا فى فرسخ ، ورفعه فوقهم ، قال عطاء ، عن ابن عباس : وبعث نارا من قبل وجوههم ، و البحر من خلفهم ، وقيل لهم : ﴿ خذوا ما آتيناكم بقوة ﴾ فإن قبلتموه وفعلتم به ، وإلا رضختكم بهذا الجبل ، وغرقتكم فى هذا البحر ، وأحرقتكم بهذه النار ، فلما رأوا أن لا مهرب قبلوا ذلك وسجدوا على شق وجوههم ، وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود ، فصارت سنة اليهود ألا يسجدوا إلا على نصف وجوههم ، ولما زال الجبل قالوا : يا موسى سمعنا وأطعنا ، ولولا الجبل ما أطعناك اه .

٢٬٢٤٨ / ٧٬٦٨٠