هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

204

الجزء ٥ · صفحة ٢٩٧

﴿ وإذا قُرِئ القُرآنُ ﴾ شرع فى قراءته فى صلاة أو غيرها حين نزول أو بعد ذلك ، وفى أى موضع كما قال الحسن ، والظاهرية ﴿ فاسْتَمعوا ﴾ ألقُوا أسماعكم ﴿ لهُ ﴾ إعظاما له وتفهما وتدبرا ﴿ وأنْصِتُوا ﴾ اسكتوا عن كلام الدنيا حين تسمعونه ، أما فى صلاة السر فليس المأموم بسامع ، بل هو شارع فى قراءة الفاتحة ، لما صح أنه لا صلاة إلا بها ، وأن الصلاة بدونها خداج ، وأما فى صلاة الجهر فشارع فى قراءتها أيضا لذلك ، وإذ أتمها استمع لقراءة الإمام كما فى الآية ، ونص عليه ابن مسعود .

هذا تحقيق المقام عندى ، وأما إذا كان يقرأ الإنسان وآخر مشتغل بكلام الآخرة أو العلم ، فجائز لوقوعه فى مساجد المسلمين ، وبحضرة النبى محمد A ، وما ذكرت من قرأ الفاتحة للمأموم سرا وجهرا ، ومذهبنا معشر الأباضية ، ومذهب الشافعى ، وقيل عنه : إنه يقرأ السورة بعد فراغ الإمام سرا ، وأن هذا السر مراد فى قوله : ﴿ واذكر نفسك فى ربك ﴾ وهو باطل ، وقال قوم : لا يقرؤها فى السر ولا فى الجهر ، يرده ما ذكر من أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ، وأن الصلاة بدونها خداج ، وقال مالك : يقرؤها فى السر ، ويستمع لها وللسورة فى الجهر لهذه الآية ، ويرده لما ذكر أنهم كانوا يقرءون السورة وراءه A ، وقال : لا يفعلوا إلا بأم القرآن .

وقيل : نزلت فى قراءة سورة خلف الإمام نهيا لهم عنها فيقتصروا على الفاتحة ، وقال الكلبى : كانوا يرفعون أصواتهم فى الصلاة إذا سمعوا ذكر الجنة أو النار ، فأمروا بالاستماع والسكوت ، وقيل : نزلت فى تحريم الكلام فى الصلاة ، وكانوا يسلم بعضهم على بعض وهم فيها ، ويجئ الرجل ويقول لمن فيها : كم صليتم؟ وكم بقى؟ فيجيبه ونحو ذلك من حوائجهم .

وقال ابن جبير ، ومجاهد ، وعطاء : نزلت فى السكوت فى خطبة الجمعة إذا قرأ القرآن فى أثنائها ، ويرده أن الآية مكية ، والخطبة فى المدينة ، وأنه يوهم جواز الكلام فيها إذا لم يقرأ ، مع أن السكوت فيها واجب وقت قراءة القرآن وغيره كما صح فى الحديث ، فالسكوت فيها ولو عن الأمر بالإنصات واجب بالسنة .

وزعم بعض : أن الإنصات والاستماع لقراءة القرآن فى غير الصلاة مستحب لا واجب ، ونسب للأكثر ، وأنه سنة وليس كذلك ، بل السنة قراءة واحد على مستمعين ، وأما اسماعهم وإنصاتهم فواجب بالقرآن فافهم ، وفى رواية عن ابن جبير : أنها نزلت فى إيجاب الاستماع والإنصات فى خطب العيدين والجمعة ، وفى جهر الإمام بالقراءة ، وقيل : المعنى إذا تلا عليكم الرسول القرآن عند نزوله فاستمعوا له وأنصتوا ، وقيل : معنى الاستماع له والإنصات العمل بما فيه ، وأجازه الزجاج ويضعفه قوله : ﴿ وإذا قرئ القرآن ﴾ إلا إن قيل : إنه ذكر هذا لأنهم لا يتوصلون إلى علم ما فيه ، فضلا عن العمل به إلا بقراءته بمسعهم .

﴿ لَعَلَّكُم تُرحَمونَ ﴾ كى ترحموا ، وإشارة غلى أن يرجو الرحمة وهى باتباع الأمر واجتناب النهى .

٢٬٢٩٧ / ٧٬٦٨٠