205
الجزء ٥ · صفحة ٢٩٨﴿ واذْكُر ربَّك ﴾ بلسانك ﴿ فى نَفْسِك ﴾ أى سرا بأن تحرك لسانك ، وتسمع أذنك ، أو يكون بدون أن تسمع ، وهذا عام فى قراءة القرآن والدعاء والتسبيح والتهليل ، وذلك أدخل فى الإخلاص ، والتدبر ، وقيل : الذكر القراءة فى الصلاة ، ويرده أن ليست قراءة الصلاة كلها سرا إلا إن أراد صلاة السر ، وقال : فرقة فى صلاة ركعتين فى الغدو ، وركعتين فى الآصال قبل أن تفرض الخمس .
﴿ تَضرُّعاً ﴾ خضوعا وهو مفعول لأجله ، أو مفعول م\طلقا أو حال على ما مر ﴿ وخِيفَةً ﴾ نوعا عظيما من الخوف ، قلبت الواو وياء لكسر ما قبلها ، ولا يحصل الخوف إلا وقد حصل الرجاء وبالعكس ، وإلا فالحاصل آيس لا خوف ، وقطع لا رجاء ، ولما كان لفظ الرب مشعرا بالتربية المتضمنة للرحمة والفضل والإحسان اتبعه بذكر التضرع والخوف ، ليجمع بين الخوف والرجاء .
﴿ ودُونَ الجَهْر ﴾ عطف على فى نفسك ، أو متعلق بمحذوف حال معطوفة على أخرى ، وهى تضرعا إذا جعل تضرعا حالا ، أى وثبوتا وتكلما ، وإنما قدرتها مصدر المناسبة تضرعا فى المصدرية ، ويجوز تقديرها وصفا أى وثابتا أو متكلما ، ومعنى كون الإنسان دون الجهر أنه بمعزل عنه ، ويجوز كونه متعلقا بمحذوف نعت لمصدر محذوف منصوب بحال محذوف ، أى ومتكلما كلاما ثابتا دون الجهر ، وعلى كل حال فهو من حيث المعنى مؤكد لقوله : ﴿ فى نفسك ﴾ إذا فسرنا فى نفسك كما مر السر ، وذلك إغراء بالسر بذكره مرتين ، هذا ما ظهر بالتأمل .
ويجوز أن يراد بالذكر فى النفس الإسرار بأن يسمع أذنه ، أو يحرك اللسان بلا إسماعها ، وبقوله : ﴿ دون الجهر ﴾ إسماع الغير بلا جهر مفرط ، فيكون الكلام إباحة للأمرين ، ومن فسر ذلك فى الصلاة حمل الأول على صلاة السر ، والثانى على صلاة الجهر ، فيكون المراد بالجهر المجتنب الجهر المفرط كما علمت إشارة للتوسط .
ويجوز أن يكون المراد بالذكر فى النفس عدم تحرك اللسان مع تتبع الكلام فى النفس ، وهذا فى غير الصلاة ، وأما فيها فلا إلا لذى علة لم يجد معها سوى ذلك ، لكن إطلاق الذكر على ذلك مجاز عند الجمهور فيما قيل ، وقيل : حقيق وبدون الجهر تحرك اللسان بدون إسماع الآذان ، أو بدون إسماع الغير ، وهذا فى غير الصلاة ، وفى صلاة السر ، ويجوز أن يراد بالذكر فى النفس استحضار جلال الله فى القلب ، وبدون الجهر التكلم سرا ، والمعتبر فى الذكر ذكر القلب .
﴿ مِنَ القَوْل ﴾ متعلق بالجهر ، كقولك : أكلت من الطعام وشربت من المائع ﴿ بالغُدوِّ ﴾ فى الغدو ، وهو جمع غدوة وهى البكرة ﴿ والآصالِ ﴾ جمع أصيل وهو ما بعد صلاة العصر إلى المغرب كيمين وأيمان ، ووزنه أفعال ، إلا أن ورشا نقل فتحة همزته للام ، وحذف الهمزة ، وقيل : جمع أصل بضم الهمزة والصاد ، وأصل جمع أصيل ، والمراد بالوقتين عموم الأوقات ، كما تقول لمن أردت وصفه بالنوم الكثير ينام بكرة وعشيا ، وهذا على ما مر من أن المراد مطلق الذكر ، وقيل : المراد خصوم الوقتين لفظهما ، فالغدوة وقت بعد الانتباه من النوم الشبيه بالموت ، فيفتح حياته بالذكر ، والأصيل آخر حياته ، بل قريب من آخرها ، لأنه لا ينام بعد العشاء ، والنوم كالموت فيستقبله بالذكر ، وأيضا تصعد أعمال الليل غدوة ، وأعمال النهار قريب المغرب أو فيه .