188
الجزء ٥ · صفحة ٢٧٩﴿ قُلْ لا أمْلكُ لنفْسِى نَفْعا ولا ضَرًّا ﴾ أى جلب نفع ولا دفع ضر ، بل أنا عبد ضعيف كسائر المماليك ، وذلك انتفاء عما يختص بالربوبية من علم الغيب ، كوقت الساعة ، والقدرة على النفع والضر على الإطلاق ﴿ إلا ما شَاءَ اللهُ ﴾ أن أملكه وأقدر عليه من جلب أو نفع ، فالاستثناء متصل باعتبار إنما سبق فى علم الله أنه يجلبه أو يدفعه بإلهام الله وتوفيه قد ملكه ، وإن أريد إلا ما شاء الله أن يكون فإنه يكون ، أو إلا ما شاء الله من إلهام وتوفيق فالاستثناء منقطع .
﴿ ولَوْ كنتُ أعلمُ الغَيْب ﴾ على الإطلاق ، وإنما علمت بعضه فقط وهو ما أخبرنى الله به ، فلا حاجة إلى قول بعضهم : إنه قال ذلك قبل أن يطلعه الله على غيب ، بل لا يصح ﴿ لاسْتكثَرتُ مِنَ الخَيْر ﴾ كالمال فآخذ منه الكفاف لنفسى ، وأبثه فى المسلمين حتى أغنيهم عن غيرهم ، وكالصحة فأجتنب أنا والمسلمون ما يزايلها ، وكالثناء الحسن فأتوصل إلى أسبابه أنا والمسلمون تقوية للدين ، فأجتنب كل ما يكون لعدوى مدخلا إلى تنقيصى ، وكالرأى الحسن فلا أخطأ فى تدبير ، وكالنصر والسلامة فأكون أبدا غالبا لأعدائى إذا أمرت بحربهم وغير ذلك ، وكاغتنام المصالح الأخروية ، فأعلم ما يضعفنى عنها أو يفوتها أو يفوت أعلاها فأجتنبه مثل أن يعلم أنه إننام بعد العشاء فلا ينتبه غلا للفجر فيترك النوم ونحو ذلك .
﴿ ومَا مسَّنِىَ السُّوءُ ﴾ عطف على جواب لو فهو مستقبل مثبت لنفى نفيه بلو ، أى ولما مسنى السوء وهو فوات نفع دنيوى أحتاج إليه ، أو أخروى ولحوق ضر دنيوى أو أخروى ﴿ إنْ أنا إلا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ ﴾ تنازعا فى قوله : ﴿ لقومٍ يُؤمنُونَ ﴾ ولغيرهم ، ولكن اقتصر عليهم لأنهم المنتفعون بالنذارة والبشارة ، وصح تسليط النذارة على المؤمنين ، لأنهم يوعظون بها ، يقول لهم : إن فعلتم كذا عاقبكم الله بالنار ، أو بكذا وكذا ، وتسليط البشارة على غيرهم لأنهم يوعظون بها ترغيبا إن فعلتم كذا فلكم الجنة ، وكذا وكذا ، أو يقدر لنذير محذوف أى إلا نذير للكافرين ، ويراد بقوم مؤمنون قوم يطلب منهم الإيمان ، ويشمل من آمن ومن كفر ، فتصرف النذارة لمن كفر ، والبشارة لمن آمن ، وكأنه قال : لا أتجاوز النذارة والبشارة إلى ملك النفع والضر وعلم الغيب ، بل أنا فى ذلك مثلكم .
ويجوز أن يكون قوله : ﴿ وما مسنى السوء ﴾ مستأنفا فيراد بالسوء الجنون بلغة هذيل كما فسر به قوله تعالى : ﴿ إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ﴾ كأنه قال : ولست بمجنون ، بل نذير بشير ، وما فسرت به الآية من العموم هو ما ظهر لى ، واستحسنه ولا يشكل عليه شئ منها .
وروى عن ابن عباس : أن أهل مكة قالوا : يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص فتشتريه قبل أن يغلوا فتربح فيه ، وبالسنة المجدية فتعد لها من المخصبة ، وبالأرض التى تجدب فترحل إلى أرض تخصب ، فنزلت الآية ، وليس المراد فى الآية فقط ، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب على الصحيح ، ويحتمل أن يكون معنى ﴿ لاستكثرت من الخير ﴾ الأخروى متوصلا إليه بعلم الغيب لو علمته ، لا من الدنيوى كما تقولون أنتم ، وقال ابن جريج ومجاهد : المراد بالنفع الهدى ، وبالضر الضلالة ، وبالغيب وقت الموت وبالخير العمل الصالح ، فإنه كما يجتهد فى الصالحات لخفاء وقت الموت مخافة هجومه يجتهد لعلم وقته ، لأنه يظهر ظهورا واضحاً حينئذ أن كل وقت مضى فقد انتقص من الأجل ، وهذا موجود فى خفائه ، لكن ظهوره دون ذلك ، وقيل : لو كنت أعلم الغيب لأعلمتكم بوقت قيام الساعة حتى تؤمنوا فيكثر خيرى دنيا وأخرى بذلك ، وما مسنى السوء وهو قولكم لو كنت نبيا لعلمت متى تقوم .