168
الجزء ٥ · صفحة ٢٤٣﴿ وقطَّعْناهُم ﴾ فرَّقناهم ﴿ فى الأرْضِ أمماً ﴾ جماعات لا بلد إلا وفيه من اليهود كائفة قليلة أو كثيرة تحت الذمة ، وذلك كسر لشوكتهم ، ولا تقوم لهم راية ، ولا ينفردون بمدينة أو قرية أو محلة ، وأمما حال أو مفعول ثان لقطع لتضمنه معنى صير ﴿ مِنْهم الصَّلحُون ﴾ وهم من وراء الصين ، منهم ومن لم يكفر بنبى أو كتاب ﴿ ومنْهُم دُونَ ذَلكَ ﴾ أى قوم ثابتون دون ذلك ، فدون ظرف متعلق بمحذوف نعت لمبتدأ محذوف وهو منصوب على الاستقرار ، قيل ومحله رفع لأنه نائب عن مرفوع ، والإشارة إلى الصلاح أو إلى المذكور من هو الصالحون ، فالذى دون ذلك هو النفاق والشرك ، والمنافقون والمشركون قبل نبينا أو فى عصره أو بعده ، فهم منحطون رتبة عن الصالحين ، وقوله : ﴿ منهم الصالحون ومنهم دون ذلك ﴾ استئناف فى معنى غير ما قبله ، ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة فى بيان تفريقهم أمما ، فيكون معنى تفريقهم أمما جعلهم صالحا وطالحا ، وعلى هذا يجوز أن تكون نعتا لأمما أو بدلا من قطعناهم أمما .
واعلم أن من كان منهم مؤمنا بالأنبياء والكتب كلها فهو المراد بالصالحين ، ومن كان كافرا فهو المراد بدون ذلك فى أى زمان كانوا ، ولا يشترطون فى تقطيعهم أمما وجود الفريقين فى كل عصر ، ولا سيما إذا فسرنا التقطيع بالتفريق فى البلاد ، فلا حاجة إلى قول بعض : إن المراد ما قبل عيسى لوجود المؤمن والكافر فيه ، ولأن من بعده كفار لكفرهم به ، ولا إلى قول بعضهم المراد بالصالحين ودون ذلك من كان منهم بعد بعث نبينا ، ويجوز أن يراد بقوله : ﴿ ومنهم دون ذلك ﴾ منهم قوم آمنوا وعملوا لكن لم يصلوا درجة هؤلاء .
﴿ وبلَوْناهُم بالحَسَنات ﴾ كالصحة والرزق الواسع ﴿ والسَّيئات ﴾ ضد ذلك ﴿ لعلَّم يرْجعُونَ ﴾ عن الكفر والمعاصى ، فإن النعمة مرغبة فى طاعة المنعم ، والشدة زاجرة عن معصيته .