166
الجزء ٥ · صفحة ٢٤١﴿ فلمَّا عَتوْا ﴾ أفسدوا وعصوا ، وعداه بعن لأنه خروج عن الحد وتكبر عنه ﴿ عَنْ ما نهُوا عنْهُ ﴾ من ترك الصيد فى يوم السبت ﴿ قُلْنا لَهم كُونوا قِردةً خَاسِئينَ ﴾ مبعدين عن الخير ، وخاسئين خبر ثان أو حال من الواو أو نعت قردة ، وضعفه أبو الفتح قيل : لأن القصد ليس التشبيه بقردة مبعدات ، فالعذاب البئيس هو المسخ ، فالفاء لتفصيل مجمل ، أو العذاب البئيس عذاب أصابهم ولم ينتهوا ، وجاء بعده المسخ كذا ظهر لى ، ثم رأيته والحمد لله فى الكشاف لكنه اختار الاحتمال الثانى ، حكى الأول قولا .
وروى ابن الكلبى أنهم كانوا فى زمان داود عليه السلام ، ولعنهم بعد ما نهاهم أشد النهى ، فأجاب الله دعاءه فمسخهم قردة ، ومعنى قوله : ﴿ قلنا لهم كونوا قردة ﴾ قضينا عليهم بذلك فكانوا ، أو خلق كلمة كن فكانوا عقبها قردة ، أصبح الناهون ذات يوم ولم يخرج من المعتدين أحد بعد ارتفاع النهار فقالوا : إن لهم شأنا ، لعل الخمر غلبتهم فعلوا الجدار فنظروا فإذا هم قرة تتعاوى ، ففتحوا الباب وخلوا عليهم ، فعرفت القردة أنسابها والناس لا يعرفه منها ، وقيل : كل يعرف الآخرة فتأتى تشمهم وتتمسح بثيابهم ويبكون ، يفعلون ذلك بأنسابهم فيقولون : ألم ننهكم فيقول برءوسها : بلا ، وقال ابن عباس ، وقتادة : مسخ الشاب قردا والشيخ خنزيرا ، وكذا ما فوق الشاب ، وروى أن مسخهم كان بعد المعصية فى صيد البحر بعامين ، وبقوا ثلاثة أيام ينظر الناس إليهم وهلكوا جميعا .
وقال الزجاج : قال قوم : يجوز أن تكون هذه القردة من نسلهم ، وأجازوا بقاء الممسوخ أكثر من ثلاثة ايام متعلقين بقوله A : « إن أمة فقدت ولا أراها إلا الفأر » قال الحسن أكلوا والله أوخم أكلة أكلها أهلها وأثقلها خزيا فى الدنيا ، وأطولها عذابا فى الآخرة ، وليم الله ما حوت ، أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله من قتل مسلم ، ولكن الله جعل موعدا والساعة أدهى وأمر .
وزعم مجاهد أنه مسخت قلوبهم لا ابدانهم وذكر فى عرائس القرآن : أنه سئل الحسن بن فضيل : هل تجد فى كتاب الله الحلال لا يأتيك إلا قوتا ، والحرام يأتيك جرفا أو جزافا؟ قال : نعم فى قصة داود وآياته « إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم » وأن الحوت لم يطق الخروج من الحياص التى حفروها لعمقها وقلة الماء ، وأنه قيل : كانوا ينصبون الحبال يوم الجمعة ويخرجونها يوم الأحد ، وأنهم مغرمون بحب الحوت ، وأن أهل القرية كانوا أكثر من سبعين ألفا ، وأن المعتدين قالوا : إنما حرم الصيد يوم السبت على آبائنا لأنهم قتلوا أنبياءهم ، وإن الناهين والساكتين قالوا : والله لا نساكنكم ، فقسموا القرية بجدار ، ومكثوا سنتين ، فلعنهم داود عليه السلام لإصرارهم ، وأن الممسوخين برزوا من المدينة وهاموا على وجوههم متحيرين ، وهلكوا لما تمت ثلاثة ايام ، وبعث الله عليهم ريحا ومطرا فقذفاهم فى البحر ، ويعودون يوم القيامة إلى صورهم البشرية ويدخلون النار .