156
الجزء ٥ · صفحة ٢٢١﴿ واكْتُبْ لنَا ﴾ أى أثبت أو أقسم أو قدر ﴿ لنَا فى هَذِه الدُّنيا ﴾ أى الأوقات التى هى أدنى وأقرب للفوت ، أو فى هذه الدار التى هى كذلك ، فلفظ الدنيا باق على الوصفية ، فهو اسم جنس مقرون بأل المعرفة نعت أو بيان أو بدل ، وإن جعل علما لتلك الأوقات أو الدار تعين أن يكون بيانا او بدلا ، وأل فيه للمح الأصل ، إذ لا مانع على الصحيح من قولك : أعجبنى هذا زيد ، فإبدال زيد أو عطفه بيانا ﴿ حَسَنةً ﴾ من صحة جسم ، ونصر وعافية ، وسعة رزق ، وتوفيق للأعمال الصالحة ﴿ وفى الآخِرةِ ﴾ الجنة وادعى بعضهم أن المعنى اكتب لنا فى الدنيا حسننة هى ثواب الأعمال ، وفى الآخرة مغفرة لذنوبنا .
﴿ إنَّاهُدْنا إليكَ ﴾ تبنا إليك ورجعنا ، يقال : هاد يهود أى رجع يرجع ، أو هو مبنى للمفعول من هاده يهيده أى حركة وأماله ، والمحرك والميل هو الله أو التوراة ، وذلك على لغة من يقول فى البناء للمفعول قول ونوع ، وقرأ أبو وجزة السعدى بكسر الهاء على البناء للفاعل والمفعول محذوف ، أى هدنا إليك أنفسنا ، أى حركناها وأملناها ، أو للمفعول على اللغة الفصحى فى بناء قال وباع للمفعول بأن يقال : قيل وبيع وهيد ، لكن حذف حرف العلة للساكن بعده ، ومن الأول قول بعضهم :
أيا ركب الذنب هدهد … واسجد كأنك هدهد
بضم الهاء ولو كسرت لزم فى السجع مثل سناد ، والتوجيه لى الشعر أى تب ، قيل : سميت اليهود لقوله : ﴿ إنا هدنا إليك ﴾ فهو اسم مدح ، ولما نسخت شريعتهم ولم يقلعوا عنها صار لا أقبح للإنسان من أن تقول له أنت يهودى ، وقيل : لتهودهم فى القراءة ، فمن كان مسلما فليكن عند القراءة ولا يتشبه بهم .
﴿ قالَ ﴾ الله ﴿ عَذابِى ﴾ وسكن الياء غير نافع ﴿ أصِيبُ به مَنْ أشاءُ ﴾ تعذيبه من خلقى بالحكمة عدلا جزاء على فعله كالرجفة ، والكل ملكى ، فلا اعتراض لأحد علىَّ وقرأ الحسن ، وطاووس ، وعمرو بن فايد : من أساء بالسين المهملة وفتح الهمزة بعد الألف من الإساءة ، ولم يتعلق بها خصوصا إنفاذ الوعيد ، بل هى كغيرها فى إنفاذ الوعيد ولا بد ، ولم يتعلق بها أن المرء خلق فعله ، ولا مساس لها بذلك ، والظاهر أن القارئ بها لم يقصد بها مجرد ذلك .
وزعم قومنا أن القرىءة يتعلق بها ذلك وهم مصيبون فى قولهم أن المرء غير خالق لأفعاله فنهوا عنها ، وقالوا : إنها معتزلية ، حتى قال الإمام أبو عمرو الدانى : إن هذه القراءة لا تصح عن الحسن وطاووس ، وإن عمرو بن فايد رجل سوء ، وقرأ بها سفيان بن عيينة واستحسنها فقام إليه عبد الرحمن المقرى ، وصاح به وأسمعه فقال : لم أدر ما يقول أهل البدع ، يعنى المعتزلة .