190
الجزء ٥ · صفحة ٢٨١﴿ فَلمَّا آتاهُما ﴾ أى آدم وحواء ﴿ صَالحاً ﴾ كما أرادا وكان ذكرا ﴿ جَعَلا ﴾ أى آدم وحواء ﴿ لَهُ ﴾ أى لله ﴿ شُركاءَ ﴾ أى شركة ﴿ فِيما آتاهُما ﴾ متعلق بجعلا أو بشركاء ، وفى ظرفية أو سببية ، وقرأ أبىّ شركاء فيه ، وكذا فى مصحفه ، وهذه الشركة هى اتباعهما إبليس فى قوله : سمياه عبد الحارث ، وكان اسم إبليس فى الملائكة الحارث ، أو هى إضافته للحارث لا إشراك فى العبادة ، وسمى ذلك شركا بالنظر إلى اللغة إذ اتبعناه كما يتبعان أمر الله ، وأضافاه للحارث كما تضاف الأشياء لله ، وفى ذلك تلويح بعتابهما على ذلك ، أو بالنظر إلى علو مرتبتهما ، حتى يعد ذلك إشراكا مع أنه ليس بإشراك ، ولا سيما أن ىدم نبى ، وإنما أراد بتسميته عبد الحارث أنه ككان سبب حياته ، وسلامة أمة الحارث والإضافة تكون لأدنى ملابسة .
وقد قال يوسف فى العزيز : ﴿ إنه ربى ﴾ وأراد إنه مربينى وكافلى لا معبودى ، وتقول : أنا عبد فلان تريد أنك تخدمه وتقوم بحقه ، لا أنه معبودك فعوتبا على التسمية بما يوهم الشرك ، وعلى النظر إلى السبب ، وقد فسر أبو عبيدة الشرك هنا بالحظ والنصيب .
روى أن حواء لما حملت أول حمل لم تدر ما هو كما قرئ فمرت به بتخفيف الراء فجزءت لذلك ، فوجد إبليس لها سبيلا فقال لها حين أثقلت : ما يدريك ما فى جوفك؟ لعله خنزير أو حية أو بهيمة أو كلب أو حمار ، وروى أنه قال بها : ما الذى فى بطنك؟ فقالت : ما أدرى ، قال : إنى أخاف أن يكون بهيمة أو كلبا أو خنزيرا أترين فى الأرض إلا بهيمة أو نحوها ، قالت : إنى أخاف بعض ذلك ، وكان فى صورة رجل لا تعرفه ، فاقل : وما يدريك من أين يخرج؟ أينشق له بطنك فتموتى أو من فيك أو أنفك؟ ولكن إن أطعتينى وسميتيه عبد الحارث فسأخلصه لك ، وأجعله بشرا مثلك ، فان لم تفعلى قتلته لك .
فأخبرت آدم فقال لها : ذلك صاحبنا الذى أغوانا فى الجنة ، لا نطيعه ، وقيل : قال لها : ما يدريك ما هو؟ ومن أين يخرج؟ خافت وذكرت لآدم فلم يُرَ إلا فى غم ، ثم عاد إليها إبليس فقال لها : إنى من الله بمنزلة ، فإن دعوت الله أن يجعله خلقا سويًّا مثلك ويسهل خروجه فسميه عبد الحارث ، فذكرت ذلك لآدم فقال : لعل ذلك صاحبنا فلا تطيعيه ، ولم يزل بها حتى سمياه عبد الحارث .
وقال ابن عباس : سمياه عبد الله فمات ، وولد آخر فسمياه عبيد الله فمات ، وولد آخر فسمياه عبد الرحمن فمات ، فقال لهما : إن سركما أن يعيش لكما ولد فسمياه عبد الحارث ، فسميا الرابع عبد الحارث فعاش ، وقيل : قال لهما هذا بعد موت الثانى ، فسميا الثالث عبد الحارث فعاش ، وروى أن الله سلطه على أولادهما فيموتون ، فقال ذلك .