هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

199

الجزء ٥ · صفحة ٢٩٢

﴿ خُذِ العَفْو ﴾ ما يتيسر من الناس بلا كلفة من أفعال الناس وأقوالهم وأخلاقهم ، أى اقبله منهم ولا تكلفهم أن يعاملوك بما يشق عليهم فيملوا ، وتتولد العداوة ، ويزيدوا منك ما يشق عليك ، أو ما لا يقبله الدين ، وتضمن ذلك قبول عذرهم ، والغض عن مصايبهم ، وقيل : العفو ما فضل عن نفقة النفس ونفقة العيال ، وقيل : ما يتيسر من صدقاتهم ، وليهما فهذا منسوخ بآية الزكاة ، ووجه نسخه أنه أمر بأخذ ذلك ، وأمروا بتسليمه ولا بد ، ولما نزلت الزكاة لم يجب عليهم غيرها ، وعليهما تفسير العفو بالفضل والزيادة ، كقولك : عفا الشعر والنبات ، فانما لم يحتج اليه العيال ، وما سهل من الصدقة فضل وزائد .

وقال مجاهد ، فيما ذكر مكى : العفو الزكاة وهو شاذ يلزم منه فرض الزكاة فى مكة وإشاعتها فيها ، وقيل : العفو عمن أساء إليك ، أى تمسك بالعفو عنه ، ولا تعاقبه ، وهذا لا ينسخ ، وأما إن أريد العفو عن المذنبين مطلقا فمنسوخ بآيات الحدود والقتال .

﴿ وَأمُر بالعُرْفِ ﴾ محاسن الأخلاق والأمور الشرعية ، كقول : لا إله إلا الله ، روى أن رسول الله A قال لجبريل : « ما هذا العرف الذى آمر به } ؟ فقال : لا أدرى حتى أسأل العالم ، فرجع إلى ربه فسأله ، ثم جاء فقال : يا محمد هو أن تعطى من حرمك ، وتصل من قطعك ، وتعفو عمن ظلمك . وهذا تمثيل بالغاية والمراد هذا وما دونه من فعل الخير ، كما قال له بعض ، وقرأ عيسى الثقفى ، فيما ذكر أبو حاتم بضم العين والراء ، والجمهور على إسكانها ، وكلاهما بمعنى المعروف .

﴿ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ ﴾ المشركين ، أى لا تجادلهم ولا تقاتلهم ، ثم نسخ بآية القتال كذا قالوا ، قال صاحب كتاب الناسخ والمنسوخ : هذه الآية من عجيب المنسوخ ، أولا منسوخ ، وآخرها منسوخ ، ووسطها محكم ، وقال ابن زيد : الآية كلها مداراة لكفار قريش ، ثم نسخت بآية السيف ، وأقول : لا نسخ فى الآية لجواز أن يكون العفو ما يسهل على الناس من قول حسن : وفعل حسن ، وخلق حسن ، والإعراض عن الجاهلين : الصبر وعدم المجازاة على ما أساءوا به إليه ، وذلك مأمور به أبدا ، ولا وجه لنسخ الأمر بالعرف .

وأيضا يحتمل أن يكون معنى ﴿ خذ العفو ﴾ قيل : من الناس ما تفضل به عليك ولا تردده عليهم فتنكسر قلوبهم ، وهذا لا يدخله النسخ ، وقد صح أنه يقبل الهدية لا الزكاة ، ثم رأيت لبعضهم : أن الجمهور يقولون : إن الإعراض عن الجاهلين أمر مستمر فى الناس ما بقوا ، ويدل على عدم نسخ الآية : أن الحر بن قيس احتج بها على عمر فاقروه على احتجاجه ، ووقف عندها ، قال جار الله : وعن جفعر الصادق أمر الله D نبيه A بمكارم الأخلاق ، وليس فى القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها ، وفى الحديث : » إن الله سبحانه بعثنى لتمام مكارم الأخلاق وتمام محاسن الأفعال « ويأتى كلام فى خلقه إن شاء الله .

٢٬٢٩٢ / ٧٬٦٨٠