175
الجزء ٥ · صفحة ٢٥٥﴿ واتْلُ عَليْهِمْ ﴾ على بنى إسرائيل أو عليهم وعلى غيرهم من الكفار قولان ﴿ نَبَأ ﴾ خبر ﴿ الَّذِى آتيْناه آياتِنا ﴾ هو بلعام من باعوراء عند ابن عباس ، أتاه الله بعض علم الكتب المنزلة ، وكان يحسن اسم الله الأعظم فلا ترد له دعوة دعا به فيها ، وعن بعضهم : كان عنده علم من صحف إبراهيم ونحوها ، وفسر بعضهم الآيات بالاسم الأعظم ، لأنه عبارة عن دعاء فيه اسم من أسماء الله ، أو لتضمنه دلائل ، وزعم بعضهم عن مجاهد انها آيات النبوة وكان مرشحاً لها ، وهذا خطأ ، فإن النبى معصوم ، ومن كان عند الله نبيا لم يخرج عن لنبوة ، وقيل فى اسمه : بلعم بدون ألف ، وقال مجاهد : بلعام من عابر ، وقال ابن مسعود : ابن إبر ، وهو من بلد الجبارين من الكنعانيين قاله ابن عباس .
وروى عنه : أنه من بنى إسرائيل ، وعن مقاتل أنه من البلقاء ، قال ابن مسعود : هو من بنى إسرائيل وهو المشهور فيما قيل ، بعثه موسى إلى ملك مدين بآيات علمه إياهن ، يدعوه إلى الإيمان ، ولما وصل رشاه الملك على أن يترك دين موسى ويتبع دين الملك ففعل ، ففتن به الناس ، وقيل : عالم من بنى إسرائيل ، وقيل : هو أمية بن أبى الصلت الثقفى ، وكان قد قرأ الكتب القديمة ، وكان صاحب شعر وحكمة ومواعظ حسان ، وقيل : البسوس أعطاه له ثلاث دعوات يجاب فيهن سياتين ، وقيل : عامر بن النعمان ، كان يعرف شيئا من دين إبراهيم وزاد فيه .
﴿ فانْسَلخ ﴾ خرج مِنْها } بعمله بغير مقتضاها كانسلاخ الشاة من جلدها ، قال ابن عباس : خرج من العام ﴿ فأتْبعه الشَّيْطان ﴾ أى تبعه فهو من الرباعى الموافق للثلاثى ، لكنه أبلغ منه ، أو المعنى أنه أدركه ، وكان قرينه ، يقال : تبعه حتى أتبعه أى لحقه ، أو الهمزة للسلب أى أزال عنه تبع الآيات أو للتعدية ، فالثانى محذوف أى اتبعه الضلالة أو للصيرورة ، أى صالا الشيطان تابعا له لا يفارقه يضله ويغويه ، وقرأ الحسن فى رواية هارون عنه وطلحة بن مصرف فى رواية بوصل الهمزة وتشديد التاء .
﴿ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ ﴾ الضالين ، قال فى عرائس القرآن : قال أكثر المفسرين : الآية فى بلعام بن عوراء بن عامر بن مازن بن لوط عليه السلام من الكنعانيين من مدينة البلقاء . وهى مدينة الجبارين ، وسميت بلقاء لأن ملكها يقال له بالق بن ضافوراء .
وكانت قصة بلعام على ما ذكره ابن عباس ، وابن إسحاق ، والسدى ، والكلبى وغيرهم : إن موسى لما قصد حرب الجبارين ، ونزل أرض كنعان من أرض الشام ، أتى قوم بلعام إلى بلعام ، وكان عنده اسم الله الأعظم ، فقالوا له : إن موسى رجل حديد ومعه جنود كثيرة ، وقد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ، ويحلها بنى إسرائيل ، وإنَّا قومك وجيرانك وبنو عمك ، وليس لنا ملجأ ، وأنت رجل مجاب الدعوة فاقدم علينا وأشر علينا فى أمر هذا العدو الذى رهقنا ، وادعو الله أن يرده عنَّا ، فقال : ويلكم نبى الله ومعه الملائكة والمؤمنون كيف أدعو عليهم؟ وإنى أعلم من الله ما أعلم ، وإنى إن فعلت هذا ذهبت عنى دنياى وآخرتى ،
فلم يزالوا به حتى قال : اصبروا حتى آمُر ربى ، وكان لا يدعو حتى ينظر ما يؤمر به فى المنام ، فقيل له فى المنام : لا تدع عليهم ، فقال لهم : آمرت ربى فنهيت عن ذلك ، فراجعوه فقال لهم : حتى آمر ثانية ، وأمر فلم يجب إليه فقالوا : لو كره ربك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك فى المرة الأولى ، فلم يزالوا به حتى افتتن ، ويقال : إنهم أهدوا إليه هدية فقبلها .