هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

187

الجزء ٥ · صفحة ٢٧٦

﴿ يسْألونَكَ عنِ السَّاعةِ ﴾ أى وقت موت الخليقة كلها ، وهو اسم مغلب على ذلك الوقت ، وسمى ساعة لوقوعه بغتة ، والعرب تمثل فى لأمر السريع بالساعة ، أو لسرعة حسابه فينقضى فى ساعة ، أو لأنه على طوله كساعة عند الله ، أو للتضاد بأنه طويل سمى باسم القصير ، كما قد يسمى السماء أرضا ، والطويل قصيرا ، وما ذكرته من سرعة الحساب والطول إنما هو بالنظر إلى ما بعد الموت من البعث ، والساعة تطلق على وقت موت الخليقة ، وعلى وقت البعث ، وعلى وقت الموت إلى ما لا ينتهى ، وقيل : إلى دخول أهل الجنة و النار إياهما ، وكذلك يوم القيامة إطلاقا أو خلافا .

﴿ أيَّانَ ﴾ نونه أصل لا زائد ، وقرأ أو أبو عبد الرحمن السلمى بكسر الهمزة أى متى ﴿ مُرْسَاها ﴾ أى إرساءها ، أو زمان إرسائها ، كما تقول : متى يوم الجمعة ، والإرساء إثبات الجسم الثقيل ، والرسوِّ ثبوته ، واستعمل الإرساء فى الساعة تشبيها لها بالجسم الثقيل ، ولا اشتقاق ولا أخذ لأيَّان ، ولا لأى من شئ ، وقال ابن جنى : أيَّان مشتق من أى ، وأى مشتق من أوى إليه أى انضم ، واراد بالاشتقاق الاشتقاق الكبير أو الأخذ وإلا فالاشتقاق فى غير المتصرف يأباه الأكثرون ، نعم أى متصرف وقد اختلف : هل الاشتقاق من الفعل أو المصدر؟ وعليه فالنون زائد ، ولم يقل مشتق من أين ، لأن أين للمكان ، وقيل : أصل أيَّان أى آن ، ومرساها مبتدأ أو أيَّان متعلق بمحذوف خبر ، وقال المبرد : مرساها فاعل لمحذوف أى يجئ أو يحضر وأيَّان متعلق بالمحذوف .

روى عن ابن عباس : أن جبل بن أبى قشير ، وسمويل بن زيد اليهوديين قالا : إن كنت نبيا فأخبرنا متى الساعة فإنا نعلم متى هى ، فإن صدقت آمنا بك؟ فنزلت الآية كلها فى ذلك ، وكذبهم فى ادعاء علمها بقوله :

﴿ قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ ربِّى ﴾ لا يعلم وقتها ملك مقرب ، ولا نبى مرسل ، وهو جواب مفصح عن رسالته A ، لأنها كانت مبهمة أيضا فى كتابهم ، لا يعلم أحد وقتها ، وحكمة إخفائها أن يكون المكلف على شفقة منها ، فيستعد لها ، وضربت لها علامات تدل على قربها ، فيشتد استعداد من حضر تلك العلامات من الموفقين ، ومن علاماتها : أن تلد الأمة ربَّتها ، أى يكثر التسرى ، فإن بنت الأمة المتسراة سيدة لها ، مالكة لها بموت أبيها فتعتق عنها ، أو يكثر حتى إنها لتلد بنتا ستملكها إذا افترقتا ، بأن لا تعلم أنها أمها أو غير ذلك ، وقال قتادة بن دعامة : سألته قريش وقالوا : إنا قرابتك فأخبرنا عنها وهو قول الحسن :

﴿ لا يُجلِّيها ﴾ لا يظهرها بإحضارها ﴿ لوقْتِها ﴾ هى لام التوقيت ، واختار بعض أن يكون المعنى عند وقتها أو فى وقتها ، ونقول لا يخرج ذلك عن معنى لام التوقيت ، وعلى كل فليس فى الآية ظرفية الشئ لنفسه ، بأن نعتبر أن المراد لا يجلى أمرها ، أو نعتبر عموم وقتها وسعته حتى يكون ذلك من ظرفية الجزء فى الكل ، فالساعة وقت موت الناس ، والوقت هو هذا الوقت وما بعده .

٢٬٢٧٦ / ٧٬٦٨٠