هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

189

الجزء ٥ · صفحة ٢٨٠

﴿ هُو الَّذِى خَلَقكُم مِنْ نفْسٍ ﴾ ذاتٍ ﴿ وَاحِدةٍ ﴾ هى آدم ، و الخطاب لجميع الناس ﴿ وجَعَل ﴾ خلق ﴿ مِنْها ﴾ أى من النفس الواحدة ﴿ زَوْجَها ﴾ حواء الأم وخلقها من ضلعه القصير الأيسر ، قيل : أخرج الضلع فخلقت منها ، وذلك فى الجنة ، فانظر ما مر فى غير هذه السورة ﴿ لِيَسْكنَ ﴾ أى النفس ، وإنما ذكَّر ولم يؤنث فيما مضى نظرا إلى ما أريد به وهو آدم ، وإنما نظر إلى هذا هنا ليتبين المراد بالنفس ، فإن الذكر هو الذى يسكن إلى الأنثى ويقصدها للجماع ويعلوها ، وأنها خلقت ليأنس بها ، والتذكير أنسب بذلك أى ليطمئن ﴿ إليْها ﴾ أى إلى الزوج وهو حواء ، ويأنس بها فإن الجنس أميل إلى الجنس وآنس به ، ولا سيما أنها بعض منه .

﴿ فلمَّا تغَشَّاها ﴾ علاها للجماع فى الدنيا ، فلما أهبطا وألقيت الشهوة فى قلبه ، والصحيح أنه كان يجامعها أيضا فى الجنة ، فهذه كناية لطيفة عن الجماع ﴿ حَمَلت حَمْلاً ﴾ مصدر باق على معناه أو بمعنى مفعول ، أى محمولا وهو النطفة ، وقرأ حماد بن سلمة حملا بكسر الحاء عن ابن كثير ، ومعناه محمولا ﴿ خَفِيفًا ﴾ لأن الولد أول ما يكون فى الرحم خفيفا ثم يثقل لكبره ، أو المراد يخفته أنها لم تلق به ما تكره كما تلقى النساء من نتن يتصاعد ، وفى بعض الأوجاع ونحو ذلك .

﴿ فَمرَّت بهِ ﴾ أى لم يمنعها عن التصرف بالقيام والقعود والمشى لخفته ، ولو ثقل أو أصابها منه ما تكره لأعجزها أو أحزنها ، فتلزم موضعها ، أو المعنى استمرت به كما قرأ ابن عباس ، وكما قرأ ابن مسعود ، فاستمرت بحملها والاستمرار الدوام ، أى لم تنقطع عنه ، قيل : وقت الميلاد بوقوعه ، وقيل : إن هذا قلب وإن الباء بمعنى فى ، والأصل فاستمر بها ، وقرأ يحيى بن عمير ، وابن عباس فيما ذكر النقاش عنه : فمرت به بالتخفيف وهو فعل من المرية ، يقال مرى أى شك أى ظنت الحمل وارتابت به ، وكانت لا تعرف ذلك ، وقيل : شكت أشئ فى بطنها أم مرض ، وقرأ عبد الله بن عمرو بن العاص : فمارت به أى جاءت وذهبت ، يقال مارت الريح تمور أى جاءت و ذهبت .

﴿ فلمَّا أثْقلتْ ﴾ دخلت فى الثقل لكبره ، كقولك : أصبح أى دخل فى الصبح ، وأشأم اى دخل فى الشام ، أو صارت ذات ثقل كقولك : ألبن الرجل وأتمر أى صار ذا لبن وتمر ، وقيل : حان وقت ثقلها بالحمل لكبره ، كقولك : أقربت هند إذا حان أن تكون قريبا ، وقرئ بالبناء للمفعول أى أثقلها الحمل ، أو أثقلها الله به ﴿ دَعَوَا ﴾ أى النفس الواحدة وزوجها ، وهما آدم وحواء ﴿ الله ربَّهما ﴾ الذى رباهما وملك أمرهما ، فهو أحق بأن يدعواه ويلتجئا إليه .

﴿ لَئِن آتيْنَا صَالحاً ﴾ بشرا سويا صالح الجسم مثلنا ، لا حجرا وحمارا أو كلبا أو نحو ذلك مما ليس من جنسنا ذكرا أو أنثى ، وقال الحسن : لئن آتيتنا ذكرا لأن الذكورة من الصلاح والجودة ، وهو مفعول ثان ، وقال مكى : إيتاء صالحا فهو مفعول مطلق ﴿ لنَكوننَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ لك على هذه النعمة المجددة ، وضمير آتيتنا وضمير نكون لآدم وحواء ، وقال جار الله : لهما ولمن يتناسل من ذريتهما .

٢٬٢٨٠ / ٧٬٦٨٠