200
الجزء ٥ · صفحة ٢٩٣﴿ وإمَّا ﴾ إن الشرطية وما المؤكدة أبدلت النون ميما وأدغمت ﴿ ينْزِغنَّكَ مِنَ الشَّيطانِ ﴾ ينخسنك بالوسوسة فى قلبك ، شبهها بنخس الدابة ، ففى بنزغ استعارة تبعية تصريحية ، وقلَّ ما يستعمل النزغ إلا فى فعل الشيطان ، وقال الزجاج : النزغ أدنى حركة يكون ، ومن الشيطان أدنى وسوسة ، وقيل : النزغ حركة فيها فساد ، ومنه قوله A : « لا يشر أحدكم على أخيه بالسلاح لا ينزغ الشيطان فى يده » على أن النزغ فى يده حقيق ، وبه أشار إلى أخيه بالسلاح ، لكن يحتمل الوسوسة فى القلب ، وأوقعه على اليد لظهور أثرها فى البلد .
﴿ نَزْغٌ ﴾ بأن أمرك بخلاف ما أمرت ، وقيل : المراد التأثير الغضب ، وكانت اكفرة تواجهه بما يغضبه ، وقد روى أنه لما نزل : ﴿ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ﴾ قال : « فكيف فى الغضب يا رب » فنزل : ﴿ وإما ينزغنك من الشيكان ﴾ إلى ﴿ عليم ﴾ وإنما أسند النزغ إلى نزغ مبالغة ، كقولك جد جده بضم دال جده ، وصام صومه بضم ميم صومه .
﴿ فاسْتَعِذْ باللهِ ﴾ اعتصم به أن يدفعه ﴿ إنَّه سَميعٌ ﴾ لدعائك مطلقا ، أو لاستعاذتك ، أو باقوال من آذاك ﴿ عَليمٌ ﴾ بحالك ، أو بما فيه صلاحك فيوفقك إليه ، أو بافعال من يؤذيك فيعاقبه عليها ، معينا لك عن الانتقام ، ومتابعة الشيطان ، واستدل ابن القاسم بالآية على أن الاستعاذة عند القراءة : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، وليس كذلك ، بأن قوله : إنه سميع عليم كلام آخر تعليل لأمره بالاستعاذة وبقوله قالت النكَّر ، وقد روى أن جبريل نهى النبى صلى الله عليه عنه وإنما يقال : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كما يتبادر من قوله D : ﴿ وإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ﴾ ولو سلمنا أن آية هذه السورة تدل على ما قال النكَّار وابن القاسم ، من أن كيفية الاستعاذة ما ذكر لم نسلم ذلك عند القراءة ، لأن هذه فى نزغ الشيطان .
ولا دليل فى الآية ، على أن الأنبياء غير معصومين ، لأنه جاء النزغ على طريقة العرب فى الشك بإن الشرطية ، وقد علم أنه لا ينزغه الشيطان ، وإنما قال ذلك تأكيداً كما قال : ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك ﴾ وقد علم أنه لا يشرك أو تعليما للغير ، أو الخطاب للإنسان مطلقا ، أو لأنه ولو نزغه لا يتبعه فى نزغه ، فالعصمة عن قبول الوسوسة لا عنها وهو الأظهر ، وفى الحديث : « ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن يلم بشر ، وقرينه من الملائكة يلم بخير » قالوا : فأنت؟ قال : « وأنا لكن أعاننى الله عليه فأسلم » بفتح الميم أى آمن بالله على اختيار عياض وهو المختار عندى ، أو بضمها أى فأنجو من كيده ، واختاره الخطابى فلا يأمرنى إلا بخير ، وهذا دليل على ما اخترت ، لأن الأمر بخير فقط إنما يترتب على الإسلام ، ويتسبب عنه لا على السلامة وعنها ، إلا إن جعلت الفاء تعليلية لا سببية ، أى فأنجو لأنه لا يأمرنى إلا بخير .
قال عياض : أجمعت الأمة على عصمة النبى A من الشيطان فى جسمه وخاطره ولسانه ، ويبطل ادعاؤه الإجماع بما قال لعض العلماء أنه ألقى الشيطان على لسانه فى شأن الأصنام : تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتها لترتجى ، وتأتى قصة ذلك إن شاء الله ، والخلاف فيها .