201
الجزء ٥ · صفحة ٢٩٤﴿ إنَّ الذِينَ اتَّقَوا ﴾ تركوا الشرك والمعاصى ﴿ إذا مسَّهمْ طائفٌ مِنَ الشَّيْطانِ ﴾ نزغ منه خاطر بهم ، وقيل : الطائف أكبر من النزغ ، كأنه طاف بهم من جهاتهم ، وحالة الشيطان مع غير الأنبياء أقوى من حالته معهم ، وقيل : الطائف أدنى نزغ ، وهو اسم فاعل من طاف يطوف ، أو من أطاف يطيف لغتان بمعنى ، وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، والكسائى ، ويعقوب : طيف بفتح الطاء وإسكان الياء وهو مصدر من طاف يطيف ، أى خطرة أو لمسة ، والمراد النزعة ، أو صفة مشبهة مخففة من طيف بتشديد الياء مكسورة ، وهو من طاف يطوف ، أو من طاف يطيف ، وقرأ ابن جبير طيف بالتشديد والكسر ، وذكر الكسائى أن الطيف بالإسكان الوسوسة والطائف ما يطوف حول الإنسان ، فكان يقرأ بالإسكان ، والصحيح أن الطائف يطلق أيضا على السوسة ويسمى الغضب ، والوسوسة طيفا لأنهما يشبهان الجنون ، وهما من الشيطان ، والجنون يسمى طيفا .
﴿ تَذَكَّروا ﴾ أن ذلك نزغ من الشيطان فتركوه ، أو تذكروا ما أمر الله به وما نهى عنه مما خالف نزغ الشيطان ، أو تذكروا العقاب والثواب ، أو تذكروا الاستعاذة أو ذلك كله ، وقرأ ابن الزبير تأملوا ، وفى مصحف أبى : إن طاف من الشيطان طائف تأملوا ، وقال مجاهد : الطائف الغضب ، والصحيح أنه كل ما وسوس به الشيطان من المعاصى .
﴿ فإذا هُم مُبْصرونَ ﴾ بالتذكر والتأمل طريق الهدى ، فتجنبوا كيد الشيطان ، وفى الآية إشارة إلى أنهم قبل التذكر قد خفى عنهم الهدى بوسوسة الشيطان ، فهم غير مبصريه ، ولا سيما إذا كانت النزغة غضبا ، فإن الغضبان لا يدرى أين هو ، وعنه A : « إن الغضب جند من جند الجن ، أما ترون حمرة العين وانتفاخ العروق ، فإذا كان ذلك فالأرض الأرض » وروى الحسن : « أن الغضب جمرة توقد فى الجوف ، ألم تر إلى حمرة العينين ، وانتفاخ الودجين ، فإذا غضب أحدكم فإن كان قاعدا فلا يقم ، وإن كان قائما فليقعد ، وذلك أن الإنسان يجد فيه الشيطان فى حالة الغضب ما لا يجد فى غيرها » وعن الحسن : أن من الناس رجل سريع الغضب سريع الرضا ، ورجل بطيئهما فما للرجلين وما عليهما؟ ورجل سريع الغضب بطئ الرضا فهذا عليه ورجل سريعه بشئ الغضب وهذا له ، وهذه الآية وما بعدها تأكيد وتقرير لما قبلها .
ومن ابتلى بوسوسة أو خوف أو فزع أو حديث نفس أو خيال فليكتب : ﴿ وإما ينزغنك ﴾ إلى ﴿ مبصرون ﴾ بزعفران وماء ورد يوم الجمعة فى سبع ورقات عند طلوع الشمس ، ويبلغ كل يوم ورقة ، ويشرب عليها جرعة ماء يبرأ بإذن الله تعالى ، والمراد بالشيطان الجنس ، ولذا عبر عنه بالجمع أو بضمير الجماعة فى قوله :