167
الجزء ٥ · صفحة ٢٤٢﴿ وإذْ ﴾ واذكر يا محمد إذ ﴿ تأذَّنَ ربُّكَ ﴾ ويجوز العطف على إذ ، ومعنى تأذَّن علم وهو تفعَّل بمعنى فعل ، فكأنه قيل أذن أو معناه أعلم الملائكة أو غيرهم ، فكأنه قيل آذن بلد كأوعد وتوعد بمعنى ، أو معناه عزم ، والعازم على الشئ يؤذن نفسه بفعله ، وقال مجاهد : معناه قال ، وعنه معناه أمر ، وقالت فرقة : معناه أقسم ، وعليه فقوله : ﴿ ليبعَثنَّ ﴾ جواب له ، وعلى الأوجه قبله فهو جواب لقسم محذوف ، أو لذلك الفعل ، لأن علم الله وإعلامه وعزمه ، وقوله وأمره متأكدة ، وقد نص غير واحد من النحاة أن أفعال التحقيق كعلم وعزم وحتم وكتب على نفسه تجاب كالقسم ، لأنها فى التأكيد مثله ، لكن وصف الله بالعزم مجاز عبر باللازم وهو الإيذان عن الملزوم وهو العزم ، ومعنى عزنه قضاه وحتمه ، ولا يخفى بعد كون تأذن بمعنى أقسم عن اللغة إلا إن قيل : إنه مجاز .
﴿ عَليْهِم ﴾ أى على اليهود مطلقا ﴿ إلى يومِ القيَامَةِ ﴾ متعلق بيبعثن أى يسلطن ، ولذلك عدى بعلى ، ويحتمل أن يكون تعدية بإلى لكون المراد به الاستمرار التجددى ﴿ مَنْ يَسومُهم سُوء العَذابِ ﴾ وقد سامهم بخت نصر وسنحاريب وملوك الروم سوء العذاب ، وكذا غيرهم ، وما زالوا يعطون الجزية للمجوس حتى بعث الله محمدا A فضربها عليهم واستمرت ، ولا يزالون فى ذل ، فسوء العذاب يشمل الذل والجزية ، وكل إهانة وسبى وغنيمة ، ومذ فعل بهم ذلك بخت نصر .
قال ابن المسيب : يستحب أن يتعب اليهود فى الجزية ، ولقد حدثت أن طائفة من الروم افتقرت فباعت اليهود الساكتة معهم ، وأما العزة التى تصيبهم عند الدجال فتدريج إلى إهانة لم تتقدم لهم ، وذلك يعتزون عنده فيجتمعون عنده ، فيقتل الدجال ويقتلون عن آخرهم ، وزعم بعضهم : أن المراد بهؤلاء الذين يبعث عليهم من يسومهم سوء العذاب من فى زمان رسول الله A وبعده من اليهود ، يسامون بالذل والهوان والجزية ، ونسب هذا لابن عباس ، والصحيح أن المراد اليهود مطلقا فى أى زمان ، ولو كانوا مؤمنين ، لكن من آمن لا يصيبه إلا هذا العذاب الدنيوى ، إلا من آمن فى عصر نبينا أو بعده ، فلا ذل عليه ولا إهانة ولا جزية ، وقيل : المراد من لم ينه .
﴿ إنَّ ربَّكَ لسَريعُ العِقابِ ﴾ وقد عاجل عقابهم فى الدنيا ، ويوصل به عقابهم فى الآخرة ﴿ وإنَّه لغفورٌ رَحيمٌ ﴾ لمن تاب منهم فلا عقاب عليه فى الآخرة ، ولو أصابهم فى الدنيا .