هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

179

الجزء ٥ · صفحة ٢٦٤

﴿ ولَقَد ذَرَأنا ﴾ خلقنا ونشرنا ﴿ لجهنَّم ﴾ هذه اللام لشبه التمليك أو لام العاقبة ، لأنها تتصور فيما إذا كان الفاعل لم يقصد بفعله ما يصير إليه الأمر ، سواء علم مصير الأمر كما هنا ، فإن الله سبحانه أوجد الخلق ليعرفوه ويعبدوه لا ليعذبهم ويرحمهم ، وهو عالم بمصير فريق إلى النار ، وفريق إلى الجنة ، أو لم يعلم مصير الأمر كقوله : ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ﴾ فإن آل فرعون لم يلتقطوه ليكون كذلك ، ولم يعلموا أنه يكون كذلك ، نعم لو صح أن الفعل وهو خلق الكثير قصد به ما يصير إليه الأمر من سكون جهنم ، وكان بسكونها علة لم يصح أن يكون للعاقبة كما قال بعضهم ، لكن الواضح أنه قصد بخلقهم العبادة والمعرفة معهما العلة ، ومصيرهم النار لعدمهما منهم ، نعم يجوز أن تكون للتعليل مجازاً أو مبالغة كما تقول لكثير الأكل : ما خلق إلا للأكل ، ولكثير النوم : ما خلق إلا للنوم وهكذا ، فاليهود وغيرهم مما توغلوا وغاصوا فى الكفر صاروا كأنهم خلقوا للنار ، حي لم يتأت منهم إلا أفعال أهل النار ، وفعلوها باختيارهم لا باضطرار .

﴿ كَثيراً من الجنِّ والإنْسِ ﴾ ليس نصا فى أن أهل النار أكثر من أهل الجنة ، لأن الكثير يطلق على النصف والثلث ، كما يطلق على أكثر من النصف ، بل الكثرة قد تكون نسبية فتطلق علن ما هو قليل نظرا إلى ما هو أقل ، وإنما الذى هو نص فى أنهم أكثر من أهل الجنة حديث التسعمائة والتسعة والتسعون إلى النار ، وهى بعث النار ، والواحد إلى الجنة ، فيجوز تفسير الآية على ذلك بمعونة الحديث ، وأجمع علماء الأمة أن أطفال المسلمين فى الجنة إلا من لا يعتد به ، فإنه توقف فيهم ، متمسكا بما روى أن عائشة رضى الله عنها قالت فى صبى من الأنصار دعى رسول الله A إلى جنازته : طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل سوءًا ، أو لم يدركه ، فقال : « ن الله خلق للجنة والنار أهلا فى أصلاب آبائهم » وأجيب بأنه قال ذلك نهيا لها عن المسارعة إلى القطع من غير دليل قاطع ، وبأنه قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين فى الجنة ، وقوله : ﴿ والذين آمنوا واتبعتهم ﴾ الخ ولو كان مكيا لكنه محتمل لأن يكون فى أطفال المسلمين ، ومحتمل أن لا يكون فيمن بلغ منهم ولم يصل درجة أبيه فى العمل .

وأما أطفال المشركين والمنافقين فجمهور أصحابنا على الوقف فيهم ، لأن النبى A وقف فيهم ، والتحقيق أنهم من أهل الجنة فضلا ، وليسوا بمكلفين فيدخلوا النار بعمل أو اعتقاد ، ولأنهم ولدوا على الفطرة ، والعهد الأول ، ولأنه بعد ما توقف فيهم سأل الله فيهم فأعطاه إياهم ، ولأنه رأى إبراهيم الخليل فى الجنة ، وحوله أولاد المؤمنين والمشركين ، فإذا كان حوله أولادهم فأولاد المنافقين أولى بأن يكونوا حوله سواء ، وقال قوم من المخالفين : إنهم من أهل النار ، ونسبه بعضهم للأكثر وهو خطأ إذا لم يكلفوا ، وقيل يختبرون يوم القيامة ، باقتحام نار توقد لهم ، فمن اقتحمها نجا ، وهو خطأ لأنه لا تكليف فى الآخرة .

٢٬٢٦٤ / ٧٬٦٨٠