هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

172

الجزء ٥ · صفحة ٢٥٠

﴿ وإذْ ﴾ عطف على إذ قبله ﴿ أخذَ ربُّكَ ﴾ أخرج ﴿ مِنْ بَنى آدمَ ﴾ فى زمانك وقبله اليهود وغيرهم ، أو المراد اليهود الماضية الذين أشركوا بقتل الأنبياء ، وقولهم : عزير ابن الله ، وغير ذلك ، لأن الكلام قبل وبعد فى اليهود ، والذرية ذريتهم مطلقا ، وقيل : ذريتهم فى عصر النبى A ﴿ مِنْ ظُهُورهم ﴾ بدل بعض ، لأن ظهر الإنسان بعضه لا بدل اشتمال كما قال السيوطى ﴿ ذُرِّيَّاتهم ﴾ وقرأ ابن كثير ، وعاصم ، وحمزة ، والكسائى ذريتهم بالإفراد وفتح التاء ، والمعنى أخرج من أصلابهم نسولهم فى الأوقات التى علم الله بها فى الأزل أنهم يخرجون فيها .

﴿ وأشْهَدهم عَلَى أنفُسِهِم ﴾ أظهر لهم دلائل الوحدانية والربوبية ، وأوضحهما حتى شهدت بهما عقولهم ، فهذا إشهاد حقيق ، أو ركب فى عقولهم ما يدعوهم إلى الإقرار بهما ، حتى كأنه أشهدهم إشهادا ولقوة الإظهار والإيضاح صاروا بمنزلة من قيل لهم ﴿ ألسْتُ بربِّكُمْ ﴾ وبالمنفرد بالألوهية ، ونزل شهادة عقولهم أو تركيب ما يدعوهم إلى الإقرار فيها منزلة القول فقال : ﴿ قالُوا بَلَى ﴾ أى أنت ربُّنا وإلهنا وقوله : ﴿ شَهدْنا ﴾ إنك ربنا وإلهنا ، تأكيد لمعنى بلى ، فذلك كله مجاز مركب استعارة تمثيلية ، وهى أن تؤخذ أمور متعددة من المشبه ، وتجمع فى الخاطر ، وكذا من المشبه به ، ويجعل المجموعان متشاركين فى مجموع متنزع يشملهما ، وذلك فى الكلام العربى شائع كقوله سبحانه : ﴿ إنما قولنا لشئ ﴾ الخ ﴿ فقال لها ﴾ إلى ﴿ طائعين ﴾ إذ قلنا إنه لا قول ، ثم وقول الشاعر :

وقالت الأنساع للبطن الحق … قالت له ريح الصباء قرقار

وهذا تحقيق المقام ، وفسره بعضهم بل الجمهور بأنه لما خلق الله آدم أخرج من ظهره ذرية كالذر متحركة ، السعداء بيض ، والأشقياء سود ، وروى كالخردل ، وعن محمد بن كعب : أنها الأرواح جعلت بصورة ذلك ، وعنه A : « أنه أخذوا من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس » وعن ابن عباس : أخرجها بعد هبوطه بدهناء أرض الهند ، وعنه : بنعمان وهو عرفة ، وقيل : عرفة وما يليها ، وقيل : جبل وراءها .

وقال السدي : إن ذلك فى السماء بعد دخول الجنة ، وأنه مسح صفحة ظهره اليمنى فخرج كهيئة الذر بيضا ، وقال : إلى الجنة برحمتى ، وهم أصحاب اليمين ، وبعمل أهلها يعملون ، ثم على اليسرى فخرج كهيئة الذر سودا ، وقال : إلى النار ولا أبالى ، وبعمل أهلها يعملون كما فى الحديث : « إن السعيد يختم له بعمل أهل الجنة والشقى بعمل أهل النار فهم أصحاب الشمال » وأعادهم فى صلبه وقد عرفه أنهم ذريته ، ولم يبق واحد منهم لم يخرج .

وروى : ضرب على منكبه ، وفى رواية مسح بيمينه على ظهره ، وكل من المسح والضرب ونحوه عبارة عن إيجاد الذرية منه فى الخارج ، واليمين القدرة أو الماسح ، والضارب ملك بأمر الله ، وأصل الحديث رواه عمر وابن عباس رضى الله عنهم ، وفسرا به الآية مع أنه ليس فى الآية ذكر آدم ، ووجه بعضهم ذلك بأن الإخراج من ظهر آدم الذى هو الأصل إخراج من ظهور بنيه الذين هم الفرع ، وهذا رد للآية إلى الحديث ، وبعضهم بأن المخرج من ظهورهم مخرج من ظهره ، لأن بنى آدم من ظهره ، وهذا رد الحديث إلى الآية ، وعلى كل حال فذرياتهم مفعول أخذ ، وقيل : بدل اشتمال من بنى آدم بدل البعض ، ومفعول أخذ محذوف أى عهدا أو ميثاقا ، وهذا رد للآية إلى الحديث ، ولا يلزم من كون الأخذ من الذرية عدم الأخذ من الآباء ، بل أخذ من الكل كما بينه الحديث ، ولو لم يذكر فى الآية إلا الذرية .

٢٬٢٥٠ / ٧٬٦٨٠