هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

176

الجزء ٥ · صفحة ٢٦٠

﴿ ولَو شِئْنَا لرفَعْناهُ ﴾ شأنا ومنزلة بتقدير التمييز ، أو لرفعنا درجته أو شأنه بتقدير مضاف ، أو رفعناه عن الكفر ، وعلى كل حال فالرفع إلى منازل الأبرار من العلماء ﴿ بِها ﴾ بسبب الآيات وعلمه إياها ، وملازمتها بأن نثبته عليها ، والأصل ولو لزم العمل بها لرفعناه بها ، ولكنه عبر بما هو السبب فى لزومه وهو المشيئة ، وجاء على طبق الأصل المذكور قوله : ﴿ ولكنَّه أخْلدَ إلى الأرْضِ ﴾ أى مال إلى الدنيا أو السفالة ورغب فيها ، وهذا ترك للزوم العمل بها ، كأنه قيل : ولكنه لم يعمل بها ، ولو أراد طبق ما عبر به لقاب : ولكنا لم نشأ ، ولو قال : ولكنه أعرض عنها لكان طبقا للأصل أيضا ، ولكنه طبق بما هو أشد مبالغة وتنبيها على حامله على ترك العمل بها ، وهو حب الدنيا الذى هو رأس كل خطيئة ، وفى الحديث : « ما ذئبان جائعان أرسلا فى غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه » اه .

واتباع الهوى كما قال : ﴿ واتَّبع هَواهُ ﴾ فى اختيار الدنيا وإرضاء قومه أو زوجته على ما مر فى بلعام ، فليحذر المرء أن يميل عن مقتضى علمه ، وقيل الرفع الأخذ تقول : رفع الله ظالما أى أخذه وأذهبه ، فيكون الضمير عائدا إلى معصية أو إلى الآيات ، لأن بها كفره إذ لم يعمل بها ، فيكون قوله : ﴿ ولكنه أخلد إلى الأرض ﴾ عبارة عن إمهال الله D له ، وكذا فى قول ابن أبى نجيح : إن معنى ﴿ لرفعناه بها ﴾ لتوفيناه قبل أن يقع فى المعصية ، ودفعناه عنها بالآيات .

﴿ فمثَلهُ ﴾ أى صفته ﴿ كَمثَل ﴾ كصفة ﴿ الكَلْبِ ﴾ أو الصفة التى شبيهة بالمثل الذى هو كلام مشهور يشبه مضربه بمورده مصفة الكل الشبيهة بالمثل المذكور ، أو صفتاهما هما فى أنفسهما مثلان متشابهان ، وعلى كل حال فوجه الشبه لخسة ، فهو كالكلب فى أخس أحواله ، ضل قبل أن يؤتى الآيات ، وضل بعد ما أوتيها ، كما أن الكلب يلهث أبدا ﴿ إنْ تَحْمِل عَليْه ﴾ بالزجر والطرد ﴿ يَلْهَث ﴾ بفتح الثاء نقلا من الهمزة بعدها على طريق ورش وسكونها مقدرة ﴿ أو تَتْركُه ﴾ عطف على تحمل عن الزجر والطرد ﴿ يَلْهث ﴾ عطف على يلهث ، وذلك لضعف فؤاده وانقطاعه ، كما قال ابن عباس ، بخلاف سائر الحيوان فإنما يلهث إذا حمل عليه .

واللهث إدلاع اللسان من التنفس الشديد ، أو تنفس بسرعة ، وتحرك أعضاء الفم معه ، وامتداد اللسان ، وأكثر ما يعترى ذلك مع الحر والتعب وشدة العطش ، أو هو فى حرصه على المال وأمر الدنيا ، مع أن الله قد أعطاه وأغناه عن التعرض لهما ، وفى ميلها إليها عن الآيات كالكلب فى اتصال لهثه ، أو هو حريص عليهما وعظته أو لم تعظه ، كالكلب يلهث حملت عليه أو لم تحمل ، وذلك أقوال الجمهور ، والأول أكثر ، وليحذر عالم الدنيا الذى يدلع لسانه فى تقرير العلم عطشا إليها وحرصا ، فالآية شاملة له بالمعنى .

٢٬٢٦٠ / ٧٬٦٨٠