169
الجزء ٥ · صفحة ٢٤٤﴿ فَخَلفَ مِنْ بَعْدهم ﴾ أى من بعد اليهود الموصوفين ، والمراد من بعد من تقدم منهم ، ويدل على هذه الإرادة أن الكلام المذكور على العموم إلى يوم القيامة ﴿ خَلْفٌ ﴾ هو من جملة العموم السابق ، ورجح بعضهم بقوله : ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ قول الطبرى أن المراد بالصالحين من كان قبل بعث عيسى ثابتا على الدين ، وإن قلت : إذا كانت هذه الهاء شاملة لغير المؤمنين ، فما فائدة الكلام؟
قلت : فائدته التنبيه على فعل سوء من أفعالهم إعظاما له ، وهو أخذ الرشوة ، وإذا جعلنا قوله : ﴿ ومنهم دون ذلك ﴾ فيمن آمن وعمل ولم يصل درجة الصالحين المذكورين ، فلا إشكال أصلا ، والخلف بإسكان اللام بدل سوء ، قال لبيد :
ذهبَ الَّذين يُعاش فى أكنافهم … وبَقيتُ فى خَلفٍ كجلْد الأجرب
يتحدثون مخانة وملاذة … ويعاب قائلهم إن لم يشغب
يقال ولد خلف وقوم خلف ، أى أردياء ، والخلف بفتح اللام بدل خير يقال : ولد خلف وقوم خلف أى صالحون ، وفى الحديث : « يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله » ذكر ذلك فى السؤالات ، وأصل الخلف بالإسكان الفساد والتغيير ، خلف اللين فسد ، وخلف فم الصائم تغير ، وذلك هو الأشهر ، وقد تسكن فى المدح كقول حسان :
لنا القدم الأولى إليك وخلفنا … لا ولنا فى طاعة الله تابع
وليس ضرورة ، وقد تفتح فى الذم قاله أبو عبيدة والزجاج ، ويجوز قراءة بيت لبيد بالفتح ، وكلاهما يطلق على الواحد والجمع ، لأنه مصدر ، وقيل : جمع ، والمراد به فى الآية من يأخذ الرشوة من اليهود قبل سيدنا محمد أو بعد بعثه ، وقيل : المراد الذين فى عصره ، وقال مجاهد : النصارى ، وضعفه الطبرى ، وقيل : بدل السوء من أى ناس جاءوا مفسدين بعد صلاح من صلح من اليهود .
﴿ وَرِثُوا الكِتابَ ﴾ التوراة عمرة قبلهم يقفون على ما فيها ، ولا يعملون به ، وقرأ الحسن بن أى الحسن البصرى بضم الواو وتشديد الراء ، فالكتاب مفعول ثان لتعديه بالتضعيف إلى اثنين ، والأول الواو النائب ﴿ يأخُذونَ عَرَض هَذا الأدْنى ﴾ متاع هذا الشئ الأدنى الذى هو الدنيا وعرضها متاعها ، والمراد به الرشا على الحكم ، وعلى تبديل كلام الله تسهيلا على الضعفاء والعامة ، وسمى متاع الدنيا عرضا لأنه لا يبقى ولا سيما الحرام كالرشوة ، وفى الحديث : « الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر » وحقره وخسسه بقوله : ﴿ هذا الأدنى ﴾ حيث أشار إليه إشارة قرب إشارة بعد المنزلة وعلوها ، ووصفه بأنه أدنى أى قريب عاجل يعقبه زوال أو دنى ساقط ، والجملة صفة ثابتة لخلف ، والأولى ورثوا أو حال منه أو من الواو .
﴿ ويقُولُون سيُغْفر لنا ﴾ نائب يغفر أو نائبه ضمير مستتر عائد إلى الأخذ المدلول عليه بيأخذون ، و القول قول بألسنتهم ، أو اعتقاد أو ظن ورجاء ، وعلى الأول فإنما نطقوا بذلك رجاء وظنا أو اعتقادا ، والواو عاطفة أو حالية بتقدير المبتدأ ، أو قد أو بلا تقدير ، وقولهم : ﴿ سيغفر لنا ﴾ داخل فى جملة الذم من حيث إنهم يقولون : ﴿ سيغفر لنا ﴾ وهم مصرون على ذلك العرض شديد أو الحرص عليه كما قال ﴿ وإنْ يأتِهِم عَرضٌ مثْلُه ﴾ على الارتشاء أو التبديل بعد أخذ العرض قبله وبعد قولهم سيغفر لنا ﴿ يأخُذُوه ﴾ وهذه الواو حالية ، وصاحب الحال فاعل ، يقول : أو استئنافية ، والهاء فى مثله عائدة إلى العرض المدلول عليه بقولهم : ﴿ سيغفر لنا ﴾ لأن المراد يفغر لنا أخذ عرض خاص أخذناه ، وهو جميع ما أخذوا ، أو إلى العرض المذكور قبل ، لأنه مراد به الحقيقة ، فهذا الضمير إلى حصة منها .