157
الجزء ٥ · صفحة ٢٢٣﴿ الَّذين يتَّبعُون ﴾ نعت أو خبر لمحذوف ، أو مفعول لمحذوف على المدح ، أو مبتدأ خبره بأمرهم ، أو بدل من الذين بدل كل أو بعض على حذف الرابط ، أى الذين يتبعون منهم ﴿ الرَّسُولَ النَّبى الأمىَّ ﴾ إلخ وهذا منهم تعام وتغافل على العمد عن اشتراط التوحيد والإيمان بالآيات ، فإن المراد الآيات كلها كما هو واضح فتشمل القرآن ، ومن رد حرفا أو رسولا أشرك ، ويجوز أن يكون المراد بوسع الرحمة لكل شيء أنها موجودة لكل أحد ، ومن أتى بالإشراك أو بالكبائر فقد أبى منها بنفسه ، والمراد بسعتها بسأكتبها الخ أنى أحضرها وأوفق إليها من سبق فى علمى أنه يتقى ويؤتى الزكاة ، ويؤمن بآياتنا ، ويتبع الرسول ، فالرحمة رحمة الآخرة ، وقد فسر بعضهم الرحمة بالتوبة .
وقيل : إن المراد الرحمة الدنيوية والأخروية ، وإن المراد بكل شيء متأهل لها وهم المؤمنون ، وإنما أصابت الكافر فى الدنيا تبعا ، وتتمحض الرحمة للمؤمنين فى الآخرة كما قال : ﴿ فسأكتبها ﴾ الخ وهو قول مقبول ، والنبووة الوحى بشرع ، و الراسلة فى البشر من الله الوحى به مع الأمر بتبليغه ، فالرسول أخص من النبى ، وقدم مع أن الصفة العامة تقدم على الخاصة ، لأن تقديمها غالب ، ولأن محله ما إذا لم يكن فى تقديم الخاصة نكتة ، وهى هنا الاهتمام بأمر الرسالة باعتبار المخاطبين ، أو اعتبر فى جانب رسالته كونها من الله ، وفى جانب نبوته كونها للعبادة فأخرت فقدمت ، ولتقدم معنى النبوة قال A للبراء بن عازب حين قال : آمنت بكتابك الذى أنزلت ، وبرسولك الذى أرسلت : ﴿ قل وبنبيك الذي أرسلت ﴾ وليسلم من التكرار .
والنبى مأخوذ من النبأ وهو الخبر ، لأنه مخبر عن الله ، ومخبر للخلق ، وذلك أنه يخبر ولو لم يؤمر بالإخبار رغبة فى الدين ، أو من النبوة وهى الرفعة ، وقيل : لما كان طريقا إلى رحمة الله سمى بالنبى الذى هو الطريق ، يقال ساد فى النبى أى فى الطريق ، ويقال أيضا : النبى بتشديد الياء ولا همزة بعدها ، قلبت الهمزة ياء وأدغمت فيها الياء ، قيل : روى النهى عن هذا التخفيف بالقلب والإدغام والأمر بالهمزة .
والأمى نسب إلى الأم أى هو كما خرج من أمه لا يدرى كتابة ولا قراءة ولا حسابا ، وذلك إكمال لإعجازه ، حيث أتى بكلام لا يساوى ولا يتغير ، مع أنه لا يدرى ذلك ، وما اشتغل على معلم ، فلو درى بذلك لقيل كتبه عن غيره ، أو قرأه من كتاب ، وفى الحديث : وذلك أن الأمة العربية لا يكتبون ولا يقرءون الكتابة ، ثم حدث فيهم ذلك ، أو نسب إلى امة العرب فإنهم لا يكتبون ولا يقرءون ، ويحتمله الحديث ، وقيل : إلى أم القرى وهى مكة ، وقرأ بعض بفتح الهمزة إلى الأم وهو القصد ، فإنه A مقصود فى أمر الدين ، قال أبو الفتح : أو إلى الأم بالضم فهو من تغيير النسب ، وذلك الكلام إن كان مفعولا لموسى فيمن معه من بنى إسرائيل ومن بعده ، فالمراد باتباعه اعتقاد أنه رسول سيجئ ، وأن ما يقول حق ، ولا يشكل على ذلك قوله سبحانه وتعالى :
﴿ الَّذى يجدُونَ مكْتوباً عنْدَهم فى التَّوراة والإنْجيلِ ﴾ فإنه على التوزيع ، فأهل الإنجيل يجدوه فى الإنجيل فى زمانهم ، وأهل التوراة فى التوراة فكأنه قال : الذين يتبعونه ممن يجده فى التوراة من أهل زمانك وممن بعد زمانك ، وممن يجده فى الإنجيل إذا أنزلته بعد زمانك ، فلا حاجة إلى قول بعضهم : إن المراد وستجدونه فى الإنجيل وإن كان مفعولا لمن فى زمانه سيدنا محمد A ممن آمن به من بنى إسرائيل او غيرهم ، وهو قول الجمهور ، فالاتباع اتباعه فى الاعتقاد والعمل بشريعته ، وكذا فى قول من قال : إنه مقول لمن فى زمانه من بنى إسرائيل ، والظاهر أنه مقول لموسى .