176
الجزء ٥ · صفحة ٢٦١وقال السدى وغيره : إن بلعام عوقب بأنه كان يلهث كالكلب ، وإن قلت : ذكر بعض أنه شبه بأخس الحيوان فى أخس أحواله ، وأخس الحيوان الخنزير؟ قلت : نعم أخسها الخنزير لكن بالشريعة ، وأما بالطبع فأخسها الكلب ، وترى كفارا يأكلونه ولا يأكلون الكلب ، وأنسب بقوله : ﴿ ولو شئنا لرفعناه بها ﴾ أن يقال : ولكه أخلد إلى الأرض فوضعنا منزلته ، ولكنه عبر بقوله : ﴿ فمثله كمثل الكلب ﴾ لأنه أبلغ فى وضع المنزلة ، وتشبيهه بالكلب يلزم منه وضعها ، وجملة إن والشرط والجواب مع ما عطف عليهما بيان لمثل الكلب ، وإيضاح مستأنفة أو حال على تقدير المبتدأ ، أى وهو إن تحمل الخ ، أو لأنه بمنزلة عطف النقيض كأنه قيل : أو لا تحمل عليه يلهث أو للتأويل بالمفرد أى ذليلا أو لاهثا أبدا .
وهكذا شرطوا فى مجئ الشرط والجواب حالا ، وآثار ذلك فنعم تصدر الجملة الحالية بدليل استقبال ، وإن الشرطة دليل استقبال ، ويأتى إن شاء الله كلام فى ذلك ، وصاحب الحال الكلب ، لأنه ولو كان مضافا إليه لكن المضاف كجرئه فى صحة الاستغناء عنه .
﴿ ذَلكَ مَثَل القَوْم الَّذينَ كذَّبُوا بآياتنا ﴾ ضلوا قبل أن تجيئهم بالآيات ، وبعد ما جئتهم بها ، والمراد بالقوم كل قوم مكذب قبل النبى أو معه أو بعده ، أو المراد من فى زمانه من الكفار مطلقا ، أو اليهود وكانوا يجدون صفة رسول الله A فى كتابهم كما هو والقرآن ، وبشروا الناس باقترابه ، وإذا أضرتهم العرب قالوا : أظل زمان رسول نقاتلكم معه ، ولما بعث بقوا على كفرهم بل ازدادوا .
﴿ فاقْصُصْ ﴾ اسرد ﴿ القَصَصَ ﴾ قصته الذى آتيناه آباتنا ، فإنها مشتملة على أشياء كل منها قصة فإيتاءه الآيات قصة ، وانسلاخه منها قصة ، واتباع الشيطان قصة ، وهكذا جمع قصة أو المراد القصص المذكورة فى القرآن هذه وغيرها ، والمراد اقصصها على الكفار مطلقا أو قومك واليهود ﴿ لعَلَّهم يتفكَّرُون ﴾ يتعظون أو يستعملون الفكر لموصل إلى الاتعاظ ، فيؤمنوا بك ، ويعلموا أن ذلك بالوحى ، لأنه إنما يعلمه أهل الكتب الماضية وتقوى الحجة .