102
الجزء ٦ · صفحة ٨٩ومعنى الخلط هنا مجرد الجمع بين العملين ، ولذلك لم يعبر بالباء ، وفى ذلك إفادة أن كلا منها مخلوط بالآخر ، ومخلوط به الآخر ، كأنه قيل : أجمعوا بين العمل الصالح والعمل السيىء ومعنى الجمع بينهما فعل كل منهما ، ولو كان فعل الكبيرة يحبط الحسنات حتى أنهما لا يجتمعان كما تقول : جمع زيد بين قراءة القرآن والعلم ، ولو فى حال تلفظه بواحد غير متلفظ بآخر .
هذا إجراء الآية على مذهبنا معشر الأباضية ، ولكن الحسنات هنا نرجع بالتوبة ، ولك أن تقول : الواو فى معنى الباء كقولك خلطت الماء باللبن أى مزجتهما ، فالقوى يفسد الآخر ، فالسيىء هنا يفسد الصالح لقوته ، وقد ورد على الصالح ، وإنما ساغ تأخيره مع أنه المخلوط بالآخر ، لأن العطف بالواو ، ولا تفيد الترتيب ، ولو كان اللفظ بالباء لقيل خلطت عملا سيئا بآخر صالحا ، أو نظر إلى أن المختلطين كل منهما مخلوط بآخر ، وساغ جعل الواو بدل الباء لأنها للجمع ، والباء للإلصاق والجمع والإلصاق من واد واحد .
وقال الشافعية وغيرهم : إن العمل الصالح والطالح إذا حصلا بقيا معا ، فلذلك كانت الآية بالواو ، وهى الجمع بالباء ، لأن خلط الشىء بالشىء مزجه به كاللبن مع الماء ، والله أعلم .
ولما أطلقهم قالوا : يا رسول الله ، هذه أموالنا التى خَلَّفتنا فتصدق بها عنا ، واستغفرنا ، وطهرنا ، وفى رواية قال أبو لبابة : « من تمام توبتى أن أهجر دار قومى التى أصبت فيها الخطيئة ، وأن أتصدق بمالى كله ، وذاك فى مقالته لقريظة ، أو فى تخلفه ، وكذا قيل عن أصحابه فى تخلفهم ، وقال A : » ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا « » فنزل :
﴿ خُذْ مِن أمْوالهم صَدقةً تُطهرهُم وتزكِّيهم بها ﴾ أى خذ شيئا منها ، فمن للتبعيض لا كلها ، « وقد روى أنه قال لأبى لبابة وأصحابه : » يجزيكم أن تتصدقوا بالثلث « فخذ من أموالهم الثلث » ، ويروى أنه لما حلَّهم انطلقوا فجاءوا بأموالهم فردها ، فنزل هذا ، فأخذ ثلثها وذلك تكفير لذنبهم ، فإنهم طلبوا منه أن يأخذها ليطهرهم من الذنوب ، ويرفعهم عن الخبث ، ويدعو لهم ، فأمر الله بذلك ، فالمراد تطهرهم عن الذنوب ، أو عن حب المال المؤدى إلى مثل ذلك ، وتزكى بها حسناتهم ، وترفعهم إلى منازل المخلصين قيل : تنمى بها أموالهم .
وزعم قوم أن المراد الصدقة الواجبة لما تابوا وأحسنوا الإسلام أدوها ، وزعم قوم أن هذا كلام منقطع عما قبله ، وأنه فى جميع من تلزمه الزكاة ، وعليهما فليست الزكاة واجبة فى كل مال على الإطلاق كما بينته السنة ، واستدل أبو حنيفة بالآية على أنه لا زكاة فى مال الصبى والمجنون ، إذ لا ذنب لهما يطهر بها ، ويرده أنه لا يلزم من انتفاء سبب المعنى انتفاء الحكم مطلقا ، وجملة تطهرهم نعت لصدقة ، والضمير المستتر للصدقة وهو الرابط ، أو النبى A ، فالرابط محذوف ، أى بها دل عليه ما أبعد على التنازع أو هو المذكور فى قوله : ﴿ بها ﴾ ويقدر مثله لتزكى ، ولكن تعلق المذكور بتطهر ، وتقدر ضمير تزكى الصدقة .