هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

155

الجزء ٥ · صفحة ٢١٩

﴿ إن هي إلا حياتنا الدنيا ﴾ أى ما الفتنة ﴿ إلا فتْنتُك ﴾ أى ابتلاؤك ومحنتك ﴿ تُضلُّ بها مَنْ تَشاءُ ﴾ إضلاله مثل هؤلاء الذين سمعوا كلامك فاستدلوا جهلا بالكلام على الرؤية استدلالا فاسدا وطمعوا فيها ﴿ وتَهْدى مَنْ تَشاء ﴾ هدايته ، وهم الثابتون فى معرفتك ، غير الناقضين لها بادعاء جواز الرؤية . اه كلام جار الله بزيادة .

وعن على : أنهم ماتوا بالرجفة ، وأحياهم الله وجعلهم أنبياء وهو ضعيف ، وقال الثعلبى فى عرائس القرآن : لما وعد الله موسى أربعين ليلة ، وذهب للميعاد ، فتن قومه بعبادة العجل ، فأوحى الله إليه ذلك ، يا رب كيف يفتنون وقد نجيتهم من البحر ومن فرعون ، وأنعمت عليهم؟ قال : إنهم اتخذوا العجل إلها من دونى ، وهو عجل جسد له خوار . قال : يا رب من نفخ فيه الروح؟ قال : أنا . قال : أنت وعزتك أفتنتهم ﴿ إن هى إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء ﴾ الآية فقال تعالى : يا رأس النبيين ، يا أبا الأحكام إنى رأيت ذلك فى قلوبهم فزينته لهم .

فلما رجع موسى من الميقات إلى قومه ، وقرب منهم ، سمع اللفظ حول العجل ، وكانوا يقبرون حوله ، ولم يخبر موسى أصحابه الذى كانوا معه فى ذلك الموعد وهم سبعون أيضا ، وقيل : مضى إليه وحده ، وعلى الأول قالوا : هذا قتال فى المحلة ، وكان غير مخبر لهم بذلك ، فقال : لا ، ولكنهم فتنوا بعبادة غير الله ، وذلك قوله تعالى : ﴿ ولما رجع موسى إلى قومه ﴾ الخ .

ثم إن الله أمر موسى أن يأتيه فى أناس من خيار بنى إسرائيل ليعتذروا إليه من عبادة قومهم العجل ، فاختار سبعين وأرادهم شيوخا كما مر ، فذهبوا للطور ودخلوا الغمام ، وسجدوا وطلبوا الرؤية بعد انكشاف الغمام ، فأخذتهم الصاعقة وهى نار من السماء فأحرقتهم .

وقال وهب : أرسل جندا من السماء ، فسمعوا حسهم فماتوا فى يوم وليلة ، وقال موسى : يا رب كيف أرجع إلى بنى إسرائيل وقد قتلت خيارهم؟ وما زال يدعو حتى أحياهم الله رجلا رجلا ، ينظر بعض إلى بعض كيف يحيون ، اه كلام الثعلبى فى عرائس القرآن .

وعليه فالميقات فى هذه الآية غير ميقات أربعين ليلة ، والسفهاء عبدة العجل ، وقوله : هى ضمير العبادة والفتنة التى هى العبادة ، وقال بذلك الفراء والكلبى والسدى وجماعة ، وقالوا : إن موسى ظن أنهم أهلكوا بعبادة العجل ، وإنما أهلكوا بطلب الرؤية ، ورده جماعة بأنه لا يجوز على موسى أن يظن أن الله يهلك قوما بذنوب غيرهم ، بل قال : ﴿ أتهلكنا ﴾ الخ زيادة خضوع ، أو لأن عذاب الدنيا قد يعم ، لكن إن كان موتا فقط كالطاعون ، وأما إن كان إحراقا أو مثلة فلا يعم إلا من رضى بالمنكر ، أو لم ينه ، أو لأن الاستفهام نفى .

قال الكلبى : قال له السبعون حين كلمه ربه : نحن أصحابك لم نختلف عليك ، ولم نعبد العجل كقومنا ، فأرنا الله جهرة كما رأيته ، فقال : لم أره ، ولكن قد سألت الرؤية فظهرت آية الجبل الذى هو أقوى منى فصار دكا ، وخررت صعقا ، وقد ثبت ، هذا على أنهم عرفوا بعبادة العجل قبل الرجوع بإخبار موسى بالوحى ، فقالوا : فإنا لا نؤمن حتى نراه جهرة ، فأحرقوا بنار .

٢٬٢١٩ / ٧٬٦٨٠