هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

157

الجزء ٥ · صفحة ٢٢٦

﴿ والأغْلالَ التى كانَتْ عَليْهم ﴾ جمع غل وهو ما يقيد به ، وذلك تشبيه لأحكام التوراة بما يغل به الإنسان ، فلا يقدر على العمل لثقلها ، فكل من الإصر والأغلال عبارة عن ثقل أحكامها وشدتها ، كتعيين القصاص ، قيل : القصاص فى العمد والخطأ من غير شرع للدية والعفو ، وقطع الأعضاء الخاطئة ، وقطع الموضع النجس من الثوب والبدن غير الفرجين ، وإحراق الغنائم ، وتحريم العروق من اللحم ، ووجوب الصلاة فى الكنائس ، وترك العمل يوم السبت .

روى أن موسى عليه السلام رأى يوم السبت رجلا يحمل قصبا فضرب عنقه ، وحط ذلك عنا رحمة ، ولنداوم على العمل ، وفى الحديث : « بعث بالحنيفية السهلة السمحة » وقال عطاء : المراد بالأغلال ظاهرها ، كان الرجل إذا قام يصلى لبس المسح وغل يديه إلى عنقه ، وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل فيها السلسلة وأوثقها إلى السارية ، يحبس نفسه على العبادة ، وقال أيضا أبو زيد : المراد بالأغلال ما فى قوله تعالى : ﴿ غلت أيديهم ﴾ فمن آمن بنبينا محمد A زالت عنه الدعوة وتغليلها ، ومن قال : الكلام مفعول لمن عاصر النبى من العرب إلا قوله : ﴿ يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل ﴾ فمعنى وضع ذلك عنهم إخبارهم أن ذلك غير واجب عليهم ، كما وجب على غيرهم ، كأنه قيل : الذين يؤمنون بالنبى الذي تجده أهل الكتاب فى التوراة والإنجيل ، فيأمرهم مستأنف لبيان خصاله ، أو حال من واو يتبعون ، والأولى ما تقدم لسلامة من تخالف مراجع الضمائر ، وما ذكر من وضع الإصر والأغلال ، وما ذكر قبله موجودان فى التوراة والإنجيل عنه A ، وقد أذكر شيئا مما ورد فى شأنه فى التوراة والإنجيل فى سورة الشعراء .

﴿ فالَّذينَ آمنُوا به وعزَّرُوه ﴾ عظموه ووقروه ، أو منعوه حتى لا يقوى [ عليه ] عدو ، ومنه التعزير المذكور فى الأحكام ، وهو ما دون أربعين جلدة أو سبعين وما دنها ، أو على قدر النظر أقوال ، وذلك لأنه نعظيم للدين ، وتوقير له ، ومنع عن معاودة القبيح وقرأ الجحدرى ، وقتادة ، وسليمان التيمى ، وعيسى بن عمرو بالتخفيف .

﴿ ونَصَروهُ ﴾ على أعدائه ﴿ واتَّبَعوا النُّور ﴾ القرآن ، سمى نورا لأن إعجازه ظاهر كظهور النور ، ولزم من ذلك أنه مظهر لغيره ، أو سمى بذلك لأنه كاشف للحقائق مظهر لها ، مزيل لظلمة الجهل ، تستضئ به القلوب كما تستضئ العين بالنور ﴿ الَّذى أنزِلَ معَهُ ﴾ حال من ضمير أنزل مقدرة ، لأنه حال الإنزال ، وهى حال المجئ به من السماء غير موجود معه ، بل يقدر وجوده معه ، وإن أريد بالإنزال إنهاءه إليه مجال المقارنة مع كونه معه أنه عنده حاضر ، أو أنه مع بعثه أو نبوته بتقدير مضاف ، فإن استنباءه مصحوب بإنزال القرآن ، ويجوز تعليقه بالتبعوا كقولك : سرت مع زيد ، أى سرت أنا وزيد فى وقت واحد ، فالمعنى التبعوه هم ومحمد ، أو بمحذوف حال من الواو ، أى اتبعناه مصاحبين له فى اتباعه ، والمعنى فى ذلك كله اتباع القرآن ، ويجوز تعليقه بالتبعوا على معنى أنهم اتبعوا القرآن واتبعوا النبى ، أى سنته كقولك : قرأت الأعراف مع الأنفال تريد أنك قرأتهما معا .

٢٬٢٢٦ / ٧٬٦٨٠