190
الجزء ٥ · صفحة ٢٨٢وفى رواية عن ابن عباس : أتى آدم حين ولد له أول ولد فقال : أنصحك فى شأن ولدك هذا سمه عبد الحارث ، فقال : أعوذ بالله من طاعتك ، أطعتك فى أكلى من الشجرة فأخرجتنى من الجنة ، فلن أطيعك ، فمات وولد له ثان فقال : أطعنى وإلا مات كما مات الأول فعصاه فمات ، فقال : لا أزل أقتلهم حتى تسميه عبد الحارث ، وروى أنه لما ولَدَت أول أول ولد وقد قال لها ما خوفها به مما مر قال لها : ألا تسميه بى كما وعدتنى؟ قالت : فما اسمك؟ قال : اسمى الحارث ، فسمته عبد الحارث ، وذلك أنه جاءها لما كانت حاملا فقال لها : يا حواء ما الذى فى بطنك؟ قلت : لا أدرى ، قال : لعله بهيمة من هذه البهائم ، قالت : لا أدرى ، فأعرض عنها حتى أثقلت فقال لها : كيف تجدين نفسك يا حواء؟ قالت : إنى أخاف أن يكون الذى خوفتنى ما أستطيع القيام إذا قعدت ، قال أفأيت إن دعوت الله فجعله إنسانا مثلك أو مثل آدم أتسميه بى؟ قالت : نعم ، وقالت لآدم : إن الذى فى بطنى بهيمة ، وإنى لا أجد له ثقلا .
وروى أنه أتى آدم وقد مات له ولد اسمه عبد الله ، فقال : إن شئت أن يعيش لك الولد فسمه عبد شمس فسماه ، وتم الكلام فى آدم وحواء واستأنفه فى مشركى مكة وغيرها بقوله :
﴿ فتَعَالى اللهُ عمَّا يُشْركونَ ﴾ وهو حسن ، وعليه الطبرى ، لكن خصه بمشركى العرب وهو تحكم ، وقيل : هذا فيهما أيضا ، وعبر عنهما بصيغة الجماعة مجازا أو لأن ألقها اثنان ، وقيل الضمير لهما ولإبليس لا اشتراكهم فى التسمية بعبد الحارث ، أو عبد شمس ، وهما قولان مقبولان أيضا ، وعلى هذا تم الكلام هنا ، أو فى ينصرون عليهما ، أو على إبليس .
وقال الحسن ، وعكرمة : إن فى الكلام حذفا الأصل جعل أولادهما له شركاء فيما آتاهم فحذف المضاف وهو أولاد ، فناب عنه المضاف إليه ، فاعتبر المضاف إليه دون المضاف ، فقيل : فيما آتاهما لا فى ما آتاهم ، وقد اعتبر المضاف فى : ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ الخ أو الأصل جعل أولادهما له شركاء فيما أتى أولادهما ، فحذفنا مضافان ، ولا يخفى إشراك بنى آدم غير الله فى العبادة وفى التسمية ، وقد سموا عبد العزى ، وعبد مناة ، وعبد مناف ، وعبد اللات ، وغير ذلك ، أو خوطب الأبوان آدم وحواء بفعل الأبناء ، كما جاء العكس وأعنى بالخطاب نسبة إليهما أو نسب إليهما فعل الأولاد ، لأنهما السبب فى وجودهم وفعلهم ، ولا ضير عليهما فى هذه السببية .
وفى رواية عن عكرمة : أن الله سبحانه خاطب بقوله : ﴿ هو خلقكم من نفس واحدة ﴾ كل واحد على حدة ، فأبو زيد نفس واحدة ، وأبو عمرو نفس واحدة ، وأبو بكر نفس واحدة ، وأبو خالد نفس واحدة ، وهكذا فان كل واحد أبوه واحد لا متعدد ، أى خلق كل واحد من أبيه ، وجعل منها زوجها بمعنى وجعل من جنس النفس الواحدة زوجها آدمية مثلها ، ويجوز أن يكون الخطاب لقريش الذين فى زمان رسول الله A ، وهم آل قصى ، خلقوا من نفس واحدة هى قصى ، وكان له زوج من جنسه آدمية عربية ، قرشية ، ولما تغشاها حملت حملا خفيفا ، ولما ولد اسميا أولادهما عبد العزى ، وعبد قصى ، وعبد مناف ، وعبد الدار ، فضمير التثنية لهما ، وضمير الجمع لهما ، ولأعقابهما المقتدين بهما ، أو لعامة المشركين ، وبه قال ابن كيسان ، واستحسنه جار الله وغيره .